مقالات

الدراما الرمضانية: من نفحات الروح إلى تسويق الهوى..!

سيف البطبوطي

في كل عام، يأتي رمضان محملاً بشوق القلوب إلى الصفاء والتوبة، شهرٌ عُرِف بأنه موسم القرآن وموعد تجديد الصلة بالله، حيث يعلو الذكر وتخفت ضوضاء الدنيا. غير أن الواقع الذي يبث عبر الشاشات يبدو وكأنه يسير في اتجاه آخر تمامًا؛ إذ تحوّل هذا الشهر الكريم إلى حلبة تنافس مسلسلات درامية لا تعترف بحدود القداسة، بل تتفنن في إغواء القلوب وتزيين العلاقات المريبة.

يُخيّل للمرء أحيانًا أنه حينما يحين وقت الإفطار، ستنطلق تلاوة تشرح الصدر أو كلمة إيمان تبعث السكينة. لكن ما يحدث في كثير من البيوت شيء مناقض لذلك؛ فبينما تتجه الأنظار نحو المائدة، يطلّ مشهد امرأة تخون زوجها، أو رجل يلاحق امرأة لا تحلّ له. وتأتيك القصة في قالب عاطفي يكرّس فكرة أن “الحب لا يعترف بالعقبات”، وكأن هذا هو الغذاء الروحي الموعود بعد صوم الساعات الطوال.

لا تقتصر المشكلة على مضمون الحكايات، بل تمتد إلى الإيحاءات الواضحة، الملابس الفاضحة، والرقص والموسيقى التي تُقحَم بلا حرج في زمن يتطلب أعظم قدر من الطهارة. من المثير للدهشة أن بعض الأعمال تعرض لقطة ممثل يفطر على التمر في مشهدٍ يوحي بالتديّن، ثم يعود بعد دقائق ليغرق في وحل علاقة آثمة. هذا التناقض العجيب يخلق عند المشاهد حالة من الانفصام: أيعقل أن يكون رمضان مجرد ديكور زماني يُعلّق عليه كل شيء بلا ضوابط؟

وربما الأخطر من ذلك كله، هو تغييب الخطاب الديني الرصين. لا حضور يُذكر للقرآن ولا لموعظة حقيقية، وإن ظهر رجل الدين في أحداث المسلسل، غالبًا ما يكون متطرّفًا أو فاسدًا، وكأن الرسالة الخفية تقول إن الإيمان إما تشدد أو نفاق. بهذا الشكل، يغدو الصائم محرومًا من القدوة التي توقظ ضميره وتذكره بهدف الصيام الأصلي.

إن استمرار هذا النمط الدرامي يترك أثرًا عميقًا يتجاوز الترفيه المؤقت. شيئًا فشيئًا، يفقد رمضان مهابة البدايات؛ يتحوّل من موسم تربية للروح إلى موسم إدمان الحكايات السطحية. تصبح أيامه سلسلةً من حلقات لا تنتهي، يعتاد فيها المشاهد تبلّدًا غريبًا: يصوم عن الطعام ويملأ قلبه بمشاهد لا تليق بحرمة الزمان.

وقد قال الإمام علي عليه السلام كلمة بليغة تكشف جوهر هذا التيه: “ما جاع من عدل، ولا شبع من ظلم، إنما هي الأهواء تُضل وتحرف.” ولعل هذا الوصف ينطبق تمامًا على من يظن أنه في خير لأنه التزم الصيام، لكنه أغفل صوم القلب والبصر.

في المحصلة، صارت الدراما الرمضانية أداة تطبيع مع الهوى، تروّج للرذيلة باسم “الترفيه المباح”. إن لم يطالب المشاهدون بإعلام يحترم قداسة الشهر، فسنجد أنفسنا نبكي على رمضانٍ يكتفي فيه الناس بالإمساك عن الطعام، فيما قلوبهم تظل جائعة إلى معصية مغلّفة ببريق السيناريو.

زر الذهاب إلى الأعلى