مقالات

إيران وكلفة الصمود… وهاجس ترامب الأكبر

د.عامر عبد رسن

إيران وكلفة الصمود… وهاجس ترامب الأكبر

حين يصطدم العقل الثوري ب العقل الشعبوي

في الحروب الحديثة لا تحسم الصواريخ وحدها. الذي يحسم—أو يطيل—هو النمط العقلي الذي يدير القرار: كيف يرى عامل الزمن أو وقت المعركة؟

كيف يفهم معنى الخسارة؟

وكيف يعرف النصر؟

ومن هنا تتضح المفارقة: قد تكون هذه الحرب الدائرة الان بمنطقتنا أقل صداما بين قوتين عسكريتين… وأكثر صداما بين عقلين سياسيين: عقل ثوري طويل النفس، وعقل شعبوي قصير النفس.

أولا: لم يسقط النظام الايراني … بل أعاد تعريف نفسه كدولة حرب ؛ الفرضية الأمريكية كانت واضحة:

ضربة قيادية كبيرة = ارتباك مركزي = تفكك تدريجي. لكن ما ظهر حتى الآن هو العكس:

1. انتقال سريع للقرار إلى مؤسسات أكثر مأسسة.

2. تصاعد خطاب التعبئة.

3. استمرار القدرة على الرد والمشاغلة وفتح الجبهات.

هذه ليست علامة قوة مطلقة، لكنها تماسك وظيفي في زمن الحرب.

والتماسك الوظيفي، في الدول العقائدية، أهم من الاستقرار السياسي التقليدي.

ثانياً: إيران لا تبحث عن نصر عسكري… بل عن نفي فرضية الحسم ، فإيران لا تحتاج أن تهزم الولايات المتحدة عسكريا. بل يكفيها أن تثبت أن:

1. الحسم السريع (حسب النموذج الفينزويلي) غير ممكن .

2. كلفة الحرب أعلى من مردودها.

3. الزمن ليس في صالح ترامنب .

في طهران فرضية مهمة ، الاستسلام للشروط أخطر من الحرب على “شرعية البقاء”.

الصمود هنا ليس انتحارا… بل حساب بقاء.

ثالثاً: تآكل الاطمئنان الدفاعي الإسرائيلي ، المؤشرات التقنية (انخفاض نسب الاعتراض، تقليص زمن الإنذار، دقة أكبر) لا تعني تفوقًا مطلقًا، لكنها تعني شيئًا أخطر: تآكل هامش الأمان النفسي.

إسرائيل قد تتحمل ضربات، لكنها لا تتحمل انكسار صورة الحماية الكاملة لدى مواطنيها، خصوصا مع كلفة اقتصادية طويلة.

رابعاً: ورقة الخليج — الإيلام الذي يرتد على واشنطن : توسيع الضغط إلى الخليج ليس توسعا جغرافيا فقط، بل نقل الحرب إلى منطقة تتحول فيها المعركة إلى:

1. أسعار طاقة

2. تضخم

3. انتخابات

4. انقسام داخلي

وهنا تصبح الحرب ملفا اقتصاديا داخليا أمريكيا، لا مجرد ملف أمني خارجي. وبالنسبة لإسرائيل، إدخال الخليج يعني أن المأزق أصبح أمريكيا بامتياز، لا إسرائيليا خالصا

وهنا تصبح الحرب ملف للداخل الأمريكي، لا مجرد ملف خارجي.

خامسا: الفرق العميق بين العقل الثوري والعقل الشعبوي ، (ولماذا قد يكون هذا هو لبّ سوء التقدير)

1. العقل الثوري: الزمن كأداة… والخسارة كوقود ، العقل الثوري لا يرى الحرب كحدث، بل كـ مسار.

خصائصه الأساسية:

A. صبر مؤسسي: لا يعتمد على مزاج قائد منفرد، بل على مؤسسة تتوارث الهدف.

B. تعريف مختلف للنصر: النصر ليس “إسقاط الخصم”، بل “عدم الانكسار” و”استمرار القدرة على الإيلام”.

C. التضحية جزء من المعادلة: الخسائر لا تُقرأ دائمًا كفشل، بل قد تُوظف كتعبئة وإعادة شرعية.

D. الإدارة تحت النار: الدولة لا تحتاج إلى رفاه الاستقرار لتستمر؛ يكفيها انضباط منظومة الأمن والقرار.

في هذا العقل، الاستنزاف ليس كارثة… بل أداة استراتيجية.

2. العقل الشعبوي: الزمن كتهديد… والخسارة كفضيحة ، ترامنب رغم خطابه الحاد لديه هاجس واضح:

هو لا يريد أن يعرف كرئيس أدخل أمريكا في مستنقع شرق أوسطي طويل ومكلف. نمطه السياسي يكشف:

أن العقل الشعبوي يرى الحرب كـ “عرض سياسي” يجب أن ينتج نتيجة سريعة قابلة للبيع للجمهور. خصائصه:

A. نفاد صبر انتخابي: لا يحب الأفق الطويل لأن الجمهور يتعب والأسواق تتوتر.

B. تعريف مختلف للنصر: النصر هو صورة الحسم السريع والهيبة الفورية.

C. الخسارة فضيحة داخلية: أي استنزاف طويل يتحول إلى مادة هجوم سياسي من الخصوم.

D. حساسية الأسواق: الاقتصاد هنا ليس خلفية، بل محرك قرار يومي.

في هذا العقل، الاستنزاف هو الخطر الأكبر لأنه يهدد “السردية” قبل أن يهدد الخصم.

سادسا: ترامب داخل هذا التعارض… لماذا يبدو مستغربا؟ ترامب تحديدا يمثل نمطا شعبويا شديد الحساسية للزمن والكلفة: هو لا يريد حربا طويلة أو مكلفة في الشرق الأوسط. ويظهر عليه—بحسب مؤشرات الخطاب—نوع من الاستغراب من سلوك إيران:

A. مستغرب من عدم الاستسلام.

B. مستغرب من عدم الانهيار رغم اختفاء القيادة.

C. مستغرب من عدم ثورة الشارع رغم الاغتيالات.

D. مستغرب من استمرار الدولة في العمل وكأنها “تعتاش على الصدمة”.

كأنه دخل حربا مع دولة لا يفهمها: هو يتعامل بمنطق “الصدمة تقلب الطاولة”، بينما خصمه يتعامل بمنطق “الصدمة تُحوَّل إلى وقود”. وفهم الدرس جيدا ليست أيران كفينزويلا .

وهنا تصدق عبارة وزير خارجية عمان الحكيمة: ليست حربك! أي ليست منطقك ولا ملعبك الطبيعي.

سابعا: إسقاطات على بنية القرار الإيراني ، سواء صحت رواية ضعف السيطرة الحكومية على الحرس الثوري أم لا، فالمعنى الاستراتيجي واحد: الدولة في زمن الحرب قد تتحول إلى نسق قرار أكثر خشونة وأقل قابلية للتسوية السريعة. والحرس الثوري، بوصفه مؤسسة عقائدية–أمنية، أقرب إلى العقل الثوري الذي يرى الحرب طويلة وممكنة، بينما القيادات السياسية الأكثر براغماتية قد تميل للحذر.

حتى لو أُعلن مقتل القائد، فإن بنية النظام لا تقوم على شخص واحد. الحرس الثوري — وفق تقديرات عديدة — أكثر حزما من القيادة الدينية البراغماتية. القيادة الدينية تميل للحذر، لكن البنية الثورية للحرس تستعد لحرب طويلة إذا لزم الأمر. وفاة قائد — إن حدثت — لا تعني انهيارا عقائديا ، في الثقافة الثورية الشيعية، الشهادة تعبئة لا تفكك. هذا لا يعني أن الحرب بلا كلفة، بل يعني أن الرهان على “الصدمة النفسية” قد لا يعمل كما يتوقع خصوم إيران.

هذا يجعل الضغط لإجبار إيران على الاستسلام أقل فاعلية إذا كانت مفاتيح القرار انتقلت إلى النسق الأكثر تشددا.

ثامنا: إشارات الانفلات كمنتج طبيعي للحرب الطويلة ، فالحروب الطويلة ترفع احتمال:

1. الأخطاء التقنية

2. الحوادث

3. سوء التقدير

وما يتداول عن سقوط مقاتلات أمريكية في الكويت—حتى لو لم تتضح أسبابه—هو مثال على أن الاتساع الجغرافي يخلق مفاجآت، ويزيد ضغط القرار السياسي.

خاتمة: الحرب هنا اختبار صبر لا اختبار نيران : إيران تراهن على العقل الثوري !

الصمود + إطالة الزمن + رفع الكلفة.

وترامب يتحرك بعقل شعبوي: حسم سريع + صورة قوة + تجنب الاستنزاف. لذلك قد لا يصح السؤال هنا: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يملك النفس الأطول…

ومن يستطيع أن يبيع الحرب لجمهوره دون أن يرتد عليه ثمنها؟

لذلك فأن السيناريو الأكثر واقعية لهذه الحرب العبثية ليس انتصارا ساحقا ولا انهيارا سريعا، بل:

1. تحمل ضربات موجعة.

2. استمرار قدرة الرد.

3. توسيع الإيلام اقتصاديا وجغرافيا

4. دفع واشنطن لإعادة الحساب.

وعند هذه النقطة سيتحول السؤال الأمريكي من: كيف نسقط النظام؟

إلى: كيف نخرج دون أن نبدو مهزومين؟

فترامب أراد حرباً قصيرة تُظهر القوة. لكنه بدأ يخشى حربا مفتوحة تظهر الاستنزاف.

الحرب هنا ليست فقط معركة صواريخ…

بل معركة صبر وإدراك نفسي.

زر الذهاب إلى الأعلى