مقالات

الحشد الشعبي: عنصر القوة الذي يراد ضربه

د. علي المؤمن

   ظهرت الفصائل الإسلامية الشيعية الثورية المسلحة في التاريخ الحديث والمعاصر، بالتزامن مع موجات الاحتلال الغربي للبلدان الإسلامية، وانطلاق الحركات التحررية المناهضة له. ففي العراق ظهرت حركات مسلحة استهدفت الاحتلال التركي العثماني ثم البريطاني، ومن أبرزها الفصيل الذي قاده السيد محمد سعيد الحبوبي في العام 1914، وتبعه تأسيس حزب النجف السري، والجمعية الإسلامية في كربلاء، وحركة النهضة الإسلامية في النجف، التي مهدت لثورة النجف، ثم اندلاع ثورة العشرين الجماهيرية المسلحة. وكانت عشائر العراق الشيعية ـ هي الأُخرى ـ بمثابة فصائل مسلحة تأتمر بفتاوى المرجعية الدينية وتوجيهاتها في التحرك الثوري المسلح ضد الاحتلالين التركي والبريطاني.

     وشهدت مرحلة ما بعد العام 1979 منعطفاً تاريخياً في مسار العمل الإسلامي الشيعي العراقي المسلح، بالتزامن مع تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران، وتصاعد القمع الشديد من قبل النظام البعثي ضد الحالة الدينية في العراق، إضافة إلى اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. ومن أبرز الفصائل التي ظهرت في هذه الفترة: «قوات الشهيد الصدر» التابعة لحزب الدعوة الإسلامية والجناح العسكري لمنظمة العمل الإسلامي، و«حركة المجاهدين العراقيين»، ثم «قوات بدر» في العام 1985.

     أما الموجة الثالثة، فقد تزامنت مع الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط النظام البعثي في العام 2003، وتصاعد استهداف الشيعة من قبل الجماعات الوهابية التكفيرية، و لا سيما تنظيمي (القاعدة) و(داعش)، إلى جانب الحرب الإقليمية ضد النظام السوري؛ مما أسفر عن ظهور عدد كبير من الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، أبرزها: «جيش المهدي» و«سرايا السلام» التابعين للتيار الصدري و«عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«سرايا عاشوراء» و«كتائب جند الإمام» و«فرقة العباس» و«فرقة الإمام علي»، والتي توحّد أغلبها في هيئة الحشد الشعبي، وهي هيئة حكومية رسمية، لعبت دوراً رئيساً في مواجهة تنظيم (داعش) الوهابي، وتحرير الأراضي العراقية التي احتلها بعد العام 2013.

     وباتت قوات «الحشد الشعبي» منذ تأسيسها في العام 2014، جزءاً رسمياً من القوات المسلحة العراقية، وقد بلغ عدد منتسبيها الرسميين حوالي (130) ألف عسكري، فضلاً عن قوات الاحتياط. ورغم وجود فصائل سنية ومسيحية عاملة في إطار الحشد الشعبي؛ إلّا أنّ البنية العقدية للحشد وكتلته البشرية الأساسية له تنتمي إلى الاجتماع الديني الشيعي.

     ومن خلال تتبّع دوافع تأسيس الفصائل الإسلامية الشيعية المسلحة التي تمخض عنها تأسيس قوات الحشد الشعبي، ومساراتها وأدائها، يتّضح أنّها ليست جماعات طائفية مهاجمة، تسعى إلى تصفية حسابات داخلية أو خصومات سياسية، بل هي حركات عقدية دفاعية تقاوم محتلاً خارجياً أو مستبداً داخلياً. ونظراً للدور الأساس الذي يلعبه الحشد في حماية العراق عموماً، والحضور الشيعي في الواقع السياسي والاجتماعي خصوصاً، من تهديدات الخصوم، سواء تمثلت في دول احتلال أو أنظمة قمعية أو جماعات طائفية؛ فقد استمرت الدعوات المطالِبة بحله ونزع سلاحه، تحت ذرائع متعددة، بهدف القضاء على أحد أهم عناصر الردع والدفاع عن النظام الاجتماعي الديني الشيعي وحماية قواعده البشرية، وإعادة الشيعة إلى حقب الاجتثاث والقمع والتشريد والمقابر الجماعية. وفي الواقع، تعدّ هذه القوة الرادعة وحواضنها الاجتماعية، خط المواجهة الأول ضد مصادر الإرهاب، سواء إرهاب الاحتلال والاستكبار، أو إرهاب الدولة، أو إرهاب الجماعات العنصرية والتكفيرية.

    هذه المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق الحشد الشعبي، تقتضي العمل على ضمان بقائه وتعزيز قوته، من خلال ثلاثة محاور:

    المحور الأول: تتحمل فيه الدولة العراقية مسؤولية كبرى، إذ ينبغي أن تولي قضايا الحشد اهتماماً بالغاً، خاصة على مستوى تكريس وضعه الدستوري والقانوني، وتعزيز قدراته العسكرية والثقافية والتعبوية والاستخبارية، وحمايته من التهديدات السياسية والأمنية، الداخلية والخارجية، وتنميته نوعاً وكماً.

    المحور الثاني: يخص الأحزاب والتيارات السياسية، والتي ينبغي أن تتعامل مع الحشد، بوصفه قوةً مسلحةً حكوميةً رسميةً، أسوة بباقي القوات المسلحة التابعة للدولة، دون استغلاله لتحقيق أهداف خاصة، وكذلك ضرورة حمايته ودعمه من داخل مؤسسات الدولة، وخاصة على المستويات القانونية والمالية والتسليحية.

المحور الثالث: يتعلق بالحشد الشعبي نفسه، والذي ينبغي أن يكرس وجوده كقوة مسلحة عقائدية وثقافية شعبية منظمة ومنضبطة، وأن يعمل على توسيع صنوفه لتشمل الجو والبحر والتصنيع وات والمعلوماتية، فضلاً عن تعزيز دوره الاستخباري والثقافي والإعلامي، وتقوية علاقاته المباشرة مع المجتمع، وتحويل مفهوم »أمة الحشد« الى واقع اجتماعي مؤسساتي، لأن الحشد منذ اللحظة الأولى لتأسيسه، انبثق من رحم المجتمع وتطلعاته وهويته. وينبغي أن تستوعب هذه الأمة في داخلها ما لا يقل عن خمسة ملايين متطوع احتياطي، يعملون بأمرة قيادة الحشد. 

    وحري بالعراق ودولته وأغلبيته الشيعية، الاتعاظ بمآلات حل »قوات الدفاع الوطني« السورية، وانعكاسها على ضعف النظام السوري السابق وسقوطه، وصولاً إلى حملات الانتقام الوحشية التي ظل الشيعة والعلويون يتعرضون لها بعد سيطرة عصابات الجولاني على السلطة في سوريا. فقد كانت »قوات الدفاع الوطني« من التشكيلات العسكرية القوية التي تأسست في العام 2012 بدعم إيراني، وضمّت نحو (55) ألف مقاتل من خلفيات طائفية متعددة، أبرزها الشيعة والعلويون والسنة.

وقد عملت هذه القوات إلى جانب الجيش السوري، بل وتفوقت عليه في بعض الأحيان من حيث الفعالية في مواجهة الجماعات المتطرفة. لكن ما لبثت »قوات الدفاع الوطني« أن تعرضت للتفكيك، حيث جرى دمج معظم عناصرها ضمن الجيش النظامي السوري، في حين تم تقليص الوجود العسكري للفصائل الحليفة مثل »زينبيون« و»فاطميون «و»حزب الله «وبعض فصائل» المقاومة الإسلامية العراقية«، وذلك في الفترة بين عامي 2016 و2022. وقد جاءت هذه القرارات استجابة لضغوط وتهديدات خارجية من حكومات الولايات المتحدة وتركيا والكيان الصهيوني، فضلاً عن ضغوط دبلوماسية من النظامين الأردني والمصري، إلى جانب إغراءات سياسية واقتصادية من حكومتي السعودية والإمارات، رغم اعتراض إيران الواضح على تلك الخطوات.

    وبالتالي؛ فإنّ الحشد الشعبي، هو أمانة التاريخ الشيعي العراقي المتخم بالمظلومية والتضحيات والاضطهاد والتهميش، وأن التفريط بكيانه وعقيدته وسلاحه، والتهاون في تكريس ثباته القانوني وتعزيز قوته وتنميته كماً ونوعاً، يمثل خيانة لحاضر العراق ومستقبله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زر الذهاب إلى الأعلى