مقالات

مجرد رأي.. متى يصبح الخروج من الحرب ضرورة استراتيجية؟!

محمد عبد الجبار الشبوط

ليست كل الحروب قابلة للحسم، وليست كل المعارك يجب أن تُستكمل حتى نهايتها، لأن هناك لحظة في كل صراع يتحول فيها الاستمرار من فعل قوة إلى مسار استنزاف، ومن تعبير عن الصمود إلى بداية تآكل القدرة على الصمود نفسها، وهذه اللحظة لا تُدرك بالشعارات، بل تُدرك بميزان دقيق يقرأ الواقع كما هو لا كما نريده أن يكون.

إن الخطأ الأكبر الذي تقع فيه الدول ليس في دخول الحروب، بل في العجز عن الخروج منها في الوقت المناسب، لأن الدخول قرار قد تفرضه الظروف، أما الخروج فهو اختبار للعقل الاستراتيجي وقدرته على التمييز بين معركة يمكن كسبها ومعركة يجب تأجيلها.

يصبح الخروج من الحرب ضرورة استراتيجية عندما يختل ميزان المعرفة والتكنولوجيا بشكل يجعل كلفة الاستمرار أعلى من أي مكسب محتمل، وعندما تتحول أدوات القوة التقليدية إلى أدوات محدودة الفعالية أمام منظومات أكثر تقدماً، وعندما يبدأ الضغط الخارجي بالتراكم بطريقة تهدد الاستقرار الداخلي اقتصادياً واجتماعياً، وعندما يصبح الزمن عاملاً ضد الدولة لا لصالحها.

في هذه اللحظة، لا يعود السؤال: كيف ننتصر؟ بل يصبح السؤال: كيف نحمي القدرة على الاستمرار؟

وهذا التحول في السؤال هو بداية القرار الصحيح.

إن الخروج من الحرب في هذا السياق لا يعني الهزيمة، بل يعني إعادة تعريف الهدف، لأن الهدف لم يعد تحقيق نصر عسكري مباشر، بل الحفاظ على الدولة بوصفها الإطار الذي يمكن من خلاله إعادة بناء القوة في المستقبل، فالدولة التي تتماسك بعد الحرب يمكنها أن تعود، أما الدولة التي تتآكل أثناءها فإنها تخسر حتى لو أعلنت الانتصار.

ولكي يكون الخروج من الحرب قراراً استراتيجياً ناجحاً، فإنه يحتاج إلى مسار عملي واضح، يقوم على أربع خطوات مترابطة لا يمكن فصلها.

الخطوة الأولى هي خفض مستوى المواجهة المباشرة إلى الحد الذي يمنع التصعيد الواسع، لأن الاستمرار في الاشتباك المفتوح في ظل اختلال ميزان القوة يؤدي إلى استنزاف غير متكافئ، بينما يسمح خفض التصعيد بكسب الزمن دون فقدان القدرة على الردع.

والخطوة الثانية هي فتح مسار تفاوضي محدود ومحدد الهدف، لا يسعى إلى حل شامل لكل القضايا، بل يركز على تخفيف الضغوط الأكثر تأثيراً، لأن التفاوض في هذه المرحلة ليس غاية، بل أداة لإدارة الكلفة وتفكيك عناصر الضغط.

أما الخطوة الثالثة، وهي الأهم، فهي إعادة توجيه الموارد بشكل جذري نحو بناء القاعدة المعرفية للدولة، لأن الحروب الحديثة كشفت أن الفارق الحقيقي لا يكمن في عدد الأسلحة، بل في القدرة على إنتاج المعرفة التي تدير هذه الأسلحة، ومن دون هذا التحول سيبقى أي تفوق عسكري مؤقتاً وهشاً.

والخطوة الرابعة هي الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية عبر إدارة دقيقة للموارد والخطاب والسياسات، لأن التفكك الداخلي هو الخطر الأكبر الذي قد ينتج عن الحروب الطويلة، وهو الخطر الذي لا يمكن تعويضه لاحقاً مهما كانت النتائج العسكرية.

إن هذه الخطوات الأربع تمثل في مجموعها انتقالاً من منطق المواجهة المباشرة إلى منطق إعادة التموضع الاستراتيجي، وهو انتقال يتطلب شجاعة من نوع مختلف، شجاعة الاعتراف بأن الاستمرار في المسار نفسه قد يكون أخطر من تغييره.

فالقوة ليست في الاستمرار في القتال مهما كانت الظروف، بل في القدرة على اختيار اللحظة التي يجب فيها تغيير شكل الصراع، لأن من يصر على خوض معركة بشروط خصمه، يظل أسيراً لهذه الشروط مهما امتلك من أدوات.

وهنا يتجلى البعد الحضاري للقرار، حيث لا يُنظر إلى الحرب بوصفها غاية، بل بوصفها حالة عابرة ضمن مسار أوسع لبناء القوة، وحيث يصبح العلم والعمل والإبداع هي الأسس الحقيقية التي تقوم عليها القدرة على الصمود والتفوق.

إن الدولة التي تنجح في الخروج من الحرب في الوقت المناسب لا تنسحب من التاريخ، بل تعيد كتابة موقعها فيه، لأنها تحوّل لحظة الخطر إلى فرصة لإعادة البناء، وتنتقل من استنزاف الحاضر إلى استثمار المستقبل.

أما الدولة التي تتأخر في اتخاذ هذا القرار، فإنها قد تجد نفسها تستمر في القتال، لكنها تفقد تدريجياً الشروط التي تجعل أي انتصار ممكناً.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل نستمر في الحرب؟

بل: هل ما زال الاستمرار يخدم بقاء الدولة، أم أنه بدأ يهددها؟

وعندما يصبح الجواب واضحاً، يصبح القرار الجريء واضحاً أيضاً:

الخروج من الحرب… ليس تراجعاً، بل حماية لإمكانية النهوض من جديد.

١٨ اذار ٢٠٢٦

زر الذهاب إلى الأعلى