
لا شكّ أن قيام الدولة أسمى وأرفع معنىً ووجودًا من فصائل المقاومة، ولا شكّ أن ما يتحقق من خلال الدولة أبلغُ وأوسعُ تأثيرًا وأكثرُ شرعيةً مما قد تحققه المجاميع الجهادية في كفاحها ونضالها ضد المحتلّ الغاصب.
ومن المعلوم أن حمل السلاح والمقاومة ما هو إلا مقدّمة لقيام الدولة ونيل الاستقلال والسيادة الكاملة.
ولذا فإن المنطق يقتضي، ألّا يُسلَّم سلاح المقاومة إلا إلى دولة مقاومة؛ فلا يحقق أهدافَ المجاهدين إلا دولةٌ مجاهدة، ولا أمانَ للمقاومين إلا في دولةٍ آمنة، كما لا كرامةَ للشعب إلا في دولةٍ كاملة السيادة.
إن حصر السلاح بيد الدولة هدفٌ سامٍ وضرورةٌ حتمية، لكنه حين يُطرح بالنحو الذي أُثير به عقب الانتخابات يصبح مثارَ جدل، ويدخل في دائرة الارتياب، ويُثار عليه وابلٌ من التحفّظات، بل والاستهجان، وحتى الازدراء والتندّر.
فالسلاح سيُحصر بيد الدولة، والدولة ستُدار من الحكومة، والحكومة توافقية، وقرار الحرب والسلم بيد برلمانٍ متشظٍّ، وحكومةٍ منبثقةٍ عنه.
فهل بمقدور الدولة العراقية أن تمنع العدوان على لبنان وإيران أو اليمن؟ وهل بمقدور الحكومة أن تُعلن الحرب لصالح فلسطين ومحور المقاومة؟ وهل بإمكان الدولة العراقية أن تقاوم السياسة الأمريكية، أم ستستمر في مسايرتها؟
أليست هذه هي أهداف ومتبنّيات قوى المقاومة؟ أم أن أمرًا ما قد حصل؟!
إن السلاح بيد قوى المقاومة كان هو الرابط الذي يربط العراق ببقية ساحات المحور.
والحقيقة أن حصره بيد الدولة ما هو إلا فصلٌ للمسار العراقي عن مسار الجمهورية الإسلامية في إيران، وانخراطٌ في مسلك الدول العربية.
لنفترض أن حزب الله سلّم سلاحه للدولة اللبنانية، فهل ستبقى علاقته على ما هي عليه مع بقية القوى في ساحات المحور؟ وهل ستتحول لبنان إلى دولة مقاومة قتال اسرائيل وتمنع من تمددها؟
أم أن العراق ولبنان كان يعيقهما سلاح المقاومة عن محاربة الاحتلال الصهيوني والغطرسة الأمريكية؟
الهدف واضح إذن؛ إن حصر السلاح ليس لأجل أن تصبح لبنان والعراق دولتين مقاومتين، بل لتنتهي مرحلة المقاومة.
البعض يظن أن حصر السلاح بيد الدولة هو تقويةٌ لها، في حين أثبتت التجارب أن هذا السلاح كان ولا يزال ورقةً ثمينة للضغط على القوى المتربّصة بالعراق السوء والشر.
لست أدري: هل توقيت إعلان حصر السلاح بيد الدولة هو للتنصّل عن نصرة الشعب اللبناني بذريعة أن قرار السلم والحرب بيد الدولة؟
أم أن بعض الإخوة يعتقدون أن بإمكانهم التدخل العسكري الرسمي ومحاربة إسرائيل من خلال الدولة العراقية لو تعرض الشيعة في لبنان الى الإبادة وإيران الى الحرب المباشرة الكبرى والنهائية ؟
الحقيقة المرّة أن في مكنون هذه الخطوة، سواء جاءت بقصد أم بغير قصد،
ما يفتّ في عضد شيعة أهل البيت(ع)، ويعرضهم للضعف والهوان.
إن هذا القرار يمنح السيد عمار الحكيم قيّومية فكرية على بقية زعماء الفصائل، إذ إن له قصبَ السبق في الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة.
ورغم أنه يصرّح علنًا بضرورة إبعاد العراق عما يجري من صراعات في المنطقة، أي: لا شأن لنا بفلسطين ولبنان وإيران، إلا أنه كان واضحًا بمنهجيته منذ البداية، ولطالما أكّد أن حمل السلاح والمقاومة لن يجديَا نفعًا.
ثم إن توقيت إعلان حصر السلاح بيد الدولة يظهر وكأن هذه القوى كانت تقاتل لأجل الحصول على مكاسب سياسية ودنيوية، وها هي قد نالتها، فلم تعد بحاجة إلى السلاح.
وماذا كانت النتيجة، ونحن في بواكير هذا القرار، غير أن مبعوث الرئيس الأمريكي صرّح قائلًا: «التصريحات وحدها لا تكفي، ونزع السلاح يجب أن يكون شاملًا»، ثم يدّعي أن هذه توجيهات المرجعية الدينية، وكأنه القيّم على تنفيذ أوامرها!



