
اعتاد كثيرون أن يتخيلوا الخطر في صورة فوضى أو عنف أو تصرفات خارجة عن المألوف، بينما تثبت الخبرة الأمنية وعلى مدى عقود أن التهديد في زمننا الحديث غالبًا ما يأتي بهدوء، متخفيًا في سلوك يبدو طبيعيًا، ومغلّفًا بتصرفات لا تثير الانتباه.
في التقدير الأمني، لا يُبنى الحكم على الانطباع الأول، بل على متابعة السلوك واستقرائه. فالسلوك غير البريء لا يظهر دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجيًا عبر أنماط متكررة، ومواقف صغيرة، وتفاصيل قد تبدو عابرة، لكنها عند جمعها تكشف صورة مختلفة.
الخطورة الحقيقية لا تكمن في السلوك الصاخب، بل في ذلك الذي يمر دون مساءلة. التهديد المعاصر لا يعتمد دائمًا على القوة، بل على التغلغل الناعم، وبناء الثقة، واستثمار الاعتياد. حين يتم تمرير أفكار أو تصرفات غير منسجمة مع قيم المجتمع تحت غطاء ( العادي من الأعمال ) تبدأ المساحة الخطرة بالاتساع.
وهنا تبرز أهمية الوعي. فالأمن لم يعد مسؤولية جهة واحدة، بل منظومة تبدأ من إدراك الفرد وتنتهي بسلامة المجتمع.
ان حسن الظن قيمة نبيلة، لكن تحويله إلى تساهل مطلق يخلق ثغرات تستغل لاحقًا بطرق لا تخدم الاستقرار ولا السلم المجتمعي .
القراءة الأمنية للسلوك لا تعني التخويف أو الشك بالجميع، بل تعني امتلاك الحس الوقائي والقدرة على التمييز. بعض الأخطار لا تُفرض بالقوة، بل تُزرع بالتكرار، وتُمرَّر بالصمت، حتى تصبح مألوفة، وعندها يكون التعامل معها أكثر كلفة.
التحذير المبرر ليس إثارة للخوف، بل دعوة للانتباه. فحين يبدو كل شيء طبيعيًا على الدوام، يكون من الحكمة أن نتوقف قليلًا، لأن أخطر التهديدات هي تلك التي لا تُلفت النظر، وتتحرك بثقة في منطقة الاطمئنان.



