مقالات

حين تُدار المعركة بالمصطلحات لا بالرصاص.. التطبيع انموذجا..!

وسام عزيز

ما جرى لا يمكن قراءته كزلة لغوية عابرة، ولا كتعبير فردي معزول عن سياقه. نحن أمام نموذج واضح من الحرب الناعمة حرب تُدار بالكلمات والمفاهيم، لا بالدبابات والطائرات.

استخدام مصطلح التطبيع في بلدٍ يحرّمه القانون ويُجرّمه باعتباره خيانة شرعية ليس بريئًا ولا اعتباطيًا،
بل أقرب إلى اختبارٍ محسوب لردّ الفعل الشعبي والسياسي، ومحاولة لقياس قابلية كسر المحرّم تدريجيا .

الخطير في هذا المسار أنه لا يعتمد على فرض القرار من الأعلى، بل على إعادة هندسة الوعي.

بعد فشل مشاريع الإخضاع بالقوة العسكرية، انتقل الضغط الأمريكي الغربي إلى أسلوب أكثر دهاءْ: تمرير المفاهيم بدل فرض الوقائع. وهنا يُعاد تدوير مشروع التطبيع عبر خطاب ناعم مغلّف بشعارات السلام والتعايش، وهي مفردات حقّ يراد بها باطل، تُستخدم لتجميل مشروع مرفوض شعبيًا وأخلاقيًا وشرعيًا.

كما ان اختيار شخصيات دينية أو اجتماعية ذات ثقل دولي ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من التكتيك. فالرسالة المراد إيصالها ليست فقط إلى الداخل العراقي، بل إلى الإقليم والعالم: أن المحرّمات قابلة للنقاش، وأن الثوابت يمكن “تحديثها” لغويًا تمهيدًا لتفريغها من مضمونها.

حتى مع افتراض عدم وجود تنسيق مباشر، فإن توقيت التصريح وسياقه يخدمان بوضوح أجندة إضعاف الثوابت الشرعية، وتمييع الموقف العراقي التاريخي من القضية الفلسطينية، فضلًا عن إحراج واضح لمراكز القرار السياسي، من الحكومة إلى القيادات التي تُحسب على محورٍ كان يُفترض به حماية هذه الثوابت لا الوقوف في موقع الدفاع عنها.

لكن في المقابل، أثبت الردّ الشعبي والسياسي السريع حقيقة جوهرية: أن التطبيع، رغم محاولات إعادة تسويقه، ما زال مرفوضًا بقوة، وأن الوعي الجمعي لم يُخدّر، وأن أي محاولة لفتح نافذة صريحة كانت أم مبطّنة ستُواجَه بجدار صلب من الرفض.

المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل على المصطلح والمعنى والاتجاه. من يربح اللغة يراهن على ربح الوعي، ومن يفرّط بالمفهوم يفتح الباب للتفريط بالموقف. ولهذا فإن مسؤولية المواجهة لا تقع على السياسي وحده، بل على المجتمع، والنخبة، والمنبر، والكلمة الحرة التي تدرك أن الدفاع عن فلسطين يبدأ من الدفاع عن المفردة، وعن تعريف العدو، وعن وضوح البوصلة.

في زمن الحرب الناعمة، الصمت تواطؤ، والحياد انحياز مقنّع. والثبات على الموقف لم يعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة وجودية لحماية هوية المسلم ودوره وموقعه في معادلة الصراع.

 

زر الذهاب إلى الأعلى