مقالات

هل تجويع العراقيين سياسة متعمّدة ؟

مجيد الكفائي

سؤال لم يعد سؤالا عاديا بل واقعا يفرضه الجوع اليومي الذي ينهش كرامة المواطن في بلد يُفترض أنه من أغنى دول المنطقة .

ما يحدث في العراق لم يعد يُفسَّر بسوء إدارة عابر ولا بأزمات طارئة بل بمنظومة حكم فاسدة وعاجزة حوّلت الدولة إلى أداة إفقار والعراقي إلى ضحية دائمة.

الأكثر خطبا وفداحة أن تكون الحكومات نفسها هي المصدر الأول لمعاناة الناس بسبب سياستها الاقتصادية المرتجلة، والفساد المحمي، والاستهتار بحياة الملايين .

العراق يطفو على بحر من الثروات، نفط، غاز، أرض، ومياه، ومع ذلك يُدفع شعبه إلى حافة العوز .

أموال طائلة تُصرف، لكن لا تنمية حقيقية لا فرص عمل لا خدمات تليق بإنسان القرن الحادي والعشرين

المليارات تختفي والمشاريع تُعلن ولا تُنجز والفساد يُكشف ولا يُحاسَب بينما يُترك المواطن يواجه الغلاء، والبطالة، وانعدام الأمان المعيشي وحده .

القوى البشرية العراقية موجودة، العقول حاضرة، الشباب قادر على البناء لكن الدولة اختارت تهميشه بدل تمكينه، ودفعه إلى الهجرة أو الفقر بدل الاستثمار فيه .

حين يجوع المواطن، ينشغل بالبقاء بدل المطالبة بحقه، وحين يُرهق يوميًا بلقمة العيش، يُقتل فيه الأمل بالتغيير، وهنا يتحول الجوع من نتيجة فشل إلى وسيلة إخضاع.

هذا منطق ميكافيلي قذر، حيث تُبرَّر القسوة بحجج سياسية، ويُضحّى بالإنسان من أجل بقاء منظومة فاشلة .

ما يحدث في العراق ليس أزمة اقتصادية فقط، بل سقوط أخلاقي كامل لحكمٍ فقد إنسانيته، وتجرّد من أي إحساس بالمسؤولية الوطنية .

الدولة التي لا تستطيع أن تضمن خبز شعبها، ولا تحمي كرامته، ولا توفّر له الحد الأدنى من العيش الكريم،

هي دولة فاقدة للشرعية، مهما رفعت من شعارات .

إن تجويع العراقيين، سواء كان مقصودًا أو نتيجة فساد وإهمال، جريمة سياسية وأخلاقية، وسيبقى الجوع شاهد إدانة لا يُمحى، على كل من حكم، وصمت، وتستّر، وسرق .

العراق لا يحتاج خطبا ولا وعودا، بل يحتاج نهاية حقيقية لمنظومة الجوع واستعادة دولة تحترم الإنسان قبل كل شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى