مقالات

سوريا والعراق: أمنٌ إقليمي أم مصيرٌ متقاطع؟!

قاسم الغراوي

لم يعد الحديث عن الأمن بين سوريا والعراق ترفاً تحليلياً، بل بات توصيفاً لواقعٍ متداخلٍ تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة، وتتشابك فيه الملفات الأمنية إلى حدّ يصعب معه الفصل بين ما هو داخلي وما هو إقليمي.

فالتطورات الأخيرة في شمال وشرق سوريا، ولا سيما اتفاق وقف القتال بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحكومة الشرع، كشفت أن الهدوء المعلن لا يعكس بالضرورة استقراراً فعلياً على الأرض، بل ربما يخفي تحت سطحه أزمات أكثر تعقيداً وخطورة.

الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بشأن الهجمات التي طالت السجون والمخيمات التي تضم آلافاً من عناصر تنظيم داعش، أعادت إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً:

من يملك فعلياً السيطرة الأمنية؟

ومن يتحمل مسؤولية منع عودة التنظيم أو تسلل عناصره خارج الحدود السورية؟ فالهجمات على هذه السجون، سواء كانت منظمة أو نتيجة اختراقات أمنية، تمثل تهديداً مضاعفاً، ليس لسوريا وحدها، بل لدول الجوار وفي مقدمتها العراق.

العراق، الذي دفع ثمناً باهظاً في حربه ضد داعش، ينظر بقلق بالغ إلى أي سيناريو قد يؤدي إلى هروب جماعي لعناصر التنظيم أو إطلاق سراحهم تحت ضغط الفوضى أو الصراع السياسي. فالتجربة العراقية تؤكد أن داعش لا يحتاج إلى مساحات واسعة أو حواضن كبرى كي يعيد ترتيب صفوفه، بل يكفيه فراغ أمني محدود أو حدود رخوة ليبدأ من جديد. ومن هنا، فإن أي خلل أمني في شرق سوريا ينعكس تلقائياً على الداخل العراقي، خاصة في المحافظات الغربية والشمالية.

الأمن الإقليمي، في هذا السياق، لا يمكن تعريفه باعتباره مجرد تنسيق أمني أو تبادل معلومات، بل هو حالة توازن هشّ بين أطراف متعددة، لكل منها حساباته وأجنداته. فـ”قسد” تجد نفسها محاصرة بين ضغط التهديدات الأمنية، وتحديات إدارة ملف داعش، وتعقيدات علاقتها مع دمشق. في المقابل، تسعى الحكومة السورية إلى استعادة السيادة الكاملة، لكنها تفتقر في بعض المناطق إلى أدوات السيطرة الفعلية، ما يجعل تبادل الاتهامات وسيلة للهروب من المسؤولية أكثر منه حلاً جذرياً للأزمة.

أما العراق، فهو الطرف الأكثر حساسية تجاه هذا الملف، لأنه يدرك أن مصيره الأمني مرتبط بشكل مباشر بما يجري خلف حدوده الغربية.

لذلك، يمكن وصف العلاقة الأمنية بين سوريا والعراق بأنها “مصير متقاطع” أكثر من كونها “أمناً إقليمياً” مكتمل الأركان. فغياب استراتيجية إقليمية موحدة لإدارة ملف داعش، وتشتت مراكز القرار، وتضارب المصالح الدولية والإقليمية على الأرض السورية، كلها عوامل تجعل من الحدود العراقية–السورية نقطة ضعف دائمة.

الخلاصة أن الأمن بين سوريا والعراق لم يعد مسألة حدود وجيوش، بل هو اختبار لقدرة الدولتين، ومعهما القوى الفاعلة على الأرض، على إدارة أخطر إرث خلّفه العقد الأخير: إرث التنظيمات العابرة للحدود.

وأي فشل في هذا الملف لن يكون محصوراً في الجغرافيا السورية، بل سيتحول سريعاً إلى تهديد مباشر للأمن العراقي، ومنه إلى تهديد أوسع للأمن الإقليمي برمته.

فهنا، لا نتحدث عن أمن مشترك بقدر ما نتحدث عن مصير واحد إذا اخفق في مكان، اهتزّ في مكان اخر ومس الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى