مقالات

القرار العراقي: بين ضغوط الخارج ومنطق الدولة..!

طه حسن الأركوازي

لم تعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو مبعوثيه حول الشأن العراقي أحداثاً عابرة يُمكن التعامل معها بوصفها مواقف إعلامية مُؤقتة ، بل أصبحت مُؤشراً على طبيعة العلاقة المُعقدة بين العراق والبيئة الدولية المحيطة به ، ففي كُل مرة يُعلن فيها موقف خارجي من أسمٍ سياسي أو مسارٍ حكومي ،

يتجدد النقاش داخل العراق حول معنى السيادة ، وحدود التأثير الخارجي ، ومقدار ما يمتلكه النظام السياسي من قدرة فعلية على حماية قراره الوطني .

تقوم السياسة الدولية بطبيعتها على حسابات المصالح لا على تقييمات أخلاقية أو شهادات نزاهة ، الدول الكبرى لا تمنح صكوك قبول أو رفض للأشخاص بناءاً على معايير القيم ، بل تنطلق من تقديرها لما يخدم أستراتيجياتها ومصالحها بعيدة المدى ، من هذا المُنطلق ، فإن أي موقف يصدر عن دولة كبُرى أتجاه شخصية سياسية عراقية يجب أن يُقرأ في إطار توازنات المصالح ، لا بوصفه حُكماً موضوعياً على كفاءة تلك الشخصية أو نزاهتها .

فالإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذه المواقف بحد ذاتها ، فذلك جزء من طبيعة النظام الدولي ، وإنما في كيفية تعامل الداخل العراقي معها ، حين يتحول القبول الخارجي إلى معيار للتفضيل ، أو الرفض الخارجي إلى أداة للإقصاء ، يصبح القرار الوطني أسير مُعادلات لا يصنعها العراقيون وحدهم ، وهنا تبدأ السيادة بالتآكل بصمت لا عبر الاحتلال المباشر ، بل عبر أعتياد التأثر والامتثال .

في الدول المستقرة ، يُفترض أن يكون الدستور هو المرجعية العليا لتنظيم تداول السلطة ، وأن تُعبر العملية السياسية عن إرادة الناخبين من خلال آليات واضحة وشفافة ، أما في الدول التي تمر بمرحلة أنتقالية أو تعافٍ من أزمات عميقة ، فإن هذا المسار غالباً ما يتعرض للاهتزاز بسبب ضعف المؤسسات ، وتعدد مراكز القرار ، وتداخل الاعتبارات الحزبية مع الحسابات الخارجية ، والعراق لا يخرج عن هذا الإطار .؟

تشير دراسات صادرة عن مراكز بحث معنية ببناء الدولة بعد النزاعات إلى أن أخطر ما تواجهه الدول الخارجة من الحروب ليس فقط الدمار المادي ، بل هشاشة منظومة أتخاذ القرار ، فحين تغيب الرؤية الوطنية الجامعة يصبح المجال مفتوحاً أمام الفاعلين الخارجيين للتأثير في المسارات السياسية ، سواء عبر الضغوط المباشرة أو من خلال شبكات المصالح الاقتصادية والأمنية .

ففي الحالة العراقية ، تتجسد هذه الإشكالية بوضوح في ملف أختيار القيادات التنفيذية العليا ، فبدلاً من أن يكون النقاش منصباً على البرامج الحكومية ، والخطط الاقتصادية ، والرؤى الأمنية ، ينزلق في كثير من الأحيان إلى سجالات حول مواقف هذه الدولة أو تلك من هذا الاسم أو ذاك ، هذا الانزلاق لا يخدم بناء الدولة ، بل يُعمق الانقسام ويشتت بوصلة النقاش العام .

إن ترسيخ حق العراق في أختيار قياداته بعيداً عن الضغوط الخارجية لا يعني الدخول في قطيعة مع العالم أو تبني خطاب عدائي ، بل يعني بناء علاقة مُتوازنة قائمة على الاحترام المُتبادل ، والمصالح المشتركة ، فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية ، وأقتصاداً مُتماسكاً ، وسياسة خارجية واضحة تكون أكثر قدرة على التفاعل مع الخارج من موقع الندية ، لا من موقع الاستجابة للضغوط .

إن التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في حماية قرارها الوطني لم تفعل ذلك عبر الشعارات ، بل عبر إصلاحات داخلية عميقة ، ففي أوروبا الشرقية على سبيل المثال واجهت دول عدة بعد أنهيار المنظومة الاشتراكية ضُغوطاً مُتعارضة من قوى دولية مختلفة ، لكنها أستطاعت عبر إعادة بناء مؤسساتها وتعزيز حكم القانون أن تُحدد مساراتها الوطنية تدريجياً ، وفي أميركا اللاتينية تمكنت بعض الدول التي عانت طويلاً من التدخلات الخارجية من تقليص هذا التأثير عندما تبنت سياسات تنموية مستقلة نسبياً ، وعززت الرقابة المؤسسية والشفافية .

بالنسبة للعراق ، فإن بناء قرار وطني مُستقل يمر عبر مسارات متداخلة :

أولها : إصلاح المنظومة السياسية بما يضمن وضوح الصلاحيات ومنع تداخلها .

ثانيها : تعزيز أستقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية لضمان أن تكون عملية أختيار القيادات خاضعة لمعايير الوطنية والكفاءة والنزاهة .

ثالثها : تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل ، بما يُخفف من قابلية البلاد للتأثر بالضغوط الخارجية .

كما أن للإعلام والنخب الثقافية والأكاديمية دوراً محورياً في إعادة توجيه النقاش العام من الشخصيات إلى السياسات ، ومن الأسماء إلى البرامج ، فالدولة لا تُبنى بالأفراد مهما بلغت أهميتهم، بل تُبنى بمنظومات وقواعد عمل راسخة .

أخيراً وليس آخراً .. لا يمكن أختزال مُستقبل العراق في موقف يصدر من عاصمة كبرى أو تصريح يطلقه رئيس دولة أو مبعوث ، مُستقبل العراق يُصنع في الداخل ، عبر قدرة العراقيين على الاتفاق على قواعد لعبة سياسية عادلة ، وعلى تقديم المصلحة الوطنية على أي أعتبار آخر ، وحين يصبح الدستور هو الحكم ، والكفاءة هي المعيار ، والإرادة الوطنية هي المرجعية ، عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يخطو بثبات نحو قرار مستقل وسيادة فاعلة …!

زر الذهاب إلى الأعلى