مقالات

الشهيد عباس الموسوي… مدرسةُ الجهادِ التي أنجبتِ القادةَ للدفاعِ عن القدس..!

عدنان عبد الله الجنيد ||

مقدمة: سيّدُ شهداءِ المقاومين… نورٌ أشرقَ من الشياح ليُضيءَ القدس:

لم يكن السيد عباس الموسوي نتاجَ لحظةِ صراعٍ عابرة، بل صانعَ مرحلةٍ تاريخيةٍ كاملة. من أزقّة الشياح، حيث امتزج الفقرُ بمظلومية فلسطين، انبثق رجلٌ لم ينظر إلى المقاومة بوصفها ردَّ فعل، بل قدرًا وجوديًا ومسارَ خلاص.

وحين ارتقى شهيدًا، لم يُغلق قوسًا في التاريخ، بل فتح عصرًا؛ فغدا دمه بوصلة، وصوته بعد الغياب أعلى من الخطب، وحضوره في الميدان أرسخ من الجغرافيا.

حين صار القائدُ مشروعًا – الاسمُ عقيدةٌ والنهجُ فعل:

لم يكن الاسمُ عنوانًا شخصيًا، بل برنامجًا تاريخيًا متكاملًا:

السيّد: قيادةٌ أخلاقية تُمارس السلطة بوصفها تكليفًا وخدمةً للناس.

عبّاس: استحضارُ كربلاء كمنهج مواجهة؛ دمٌ واعٍ، وبصيرةٌ تعرف أن الشهادة أداةُ بناء.

الموسوي: امتدادُ مدرسة الولاية علمًا وسلوكًا، لا نسبًا مجرّدًا.

هكذا لم يعد القائد فردًا، بل مشروعَ أمةٍ يربط عاشوراء بالحاضر، ويحوّل الذاكرة إلى فعل تحرّر.

المكانةُ في محور المقاومة – مؤسِّسُ الهوية وضابطُ البوصلة

يُعدّ السيّد عباس الموسوي المؤسِّس الفعلي لهوية المقاومة الإسلامية؛ إذ جمع بين فكر النجف، وروح الثورة الإسلامية، ومظلومية لبنان، وعدالة القضية الفلسطينية.

لم يكن أمينًا عامًا إداريًا، بل مُهندسَ رؤية.

الولاية: بيعةٌ روحية لا علاقةٌ سياسية

ارتبط بالثورة الإسلامية ارتباطَ وعيٍ لا تبعية، ورأى في الإمام روح الله الخميني قائدًا لحركة التاريخ.

هذه الرعاية الخمينية شكّلت المدد الطبيعي للمقاومة في وجه اجتياح 1982، وجعلت من الموسوي الامتدادَ الحيّ لروح الثورة في لبنان.

ومن جنتا انطلقت المنشأة: حوزةٌ تتحوّل قاعدةَ إعداد، وربيعُ مقاومةٍ يُثمر رجالًا لا شعارات.

مأسسة المقاومة وخدمة الناس

عام 1991، نقل الحزب من حالة التنظيمات المتفرقة إلى مؤسسةٍ صلبة، وأرسى معادلته الخالدة:

«سنخدمكم بأشفار عيوننا»

فصارت المقاومة مشروعًا اجتماعيًا بقدر ما هي جهادية، والتحم الناس بها ثقةً لا خوفًا.

فلسطين… البوصلةُ التي لم تَضِل:

لم تكن فلسطين عند الموسوي بندًا سياسيًا، بل جزءًا من هويته الشخصية ومسيرته الجهادية.

من الفدائي الطفل إلى المؤسِّس

في عام 1968، وهو لم يتجاوز العاشرة، التحق بمخيمات تدريب المقاومة الفلسطينية، وتدرّب في معسكرات الهامة واليرموك، متأثرًا بالقائد أبو علي إياد، فكان “ابنَ المخيم” بقدر ما كان “ابنَ الضاحية”.

فلسطين في الحوزة

خلال دراسته في صور ثم النجف، عمل على:

– تأصيل القضية شرعيًا وربط الجهاد بالصلاة في الأقصى.

– كسر العزلة بين اللبنانيين واللاجئين الفلسطينيين عبر المنبر والوعي.

حزب الله كظهيرٍ لفلسطين

عند تأسيس الحزب عام 1982، كان الهدف مواجهة الاجتياح الذي سعى لتصفية الوجود الفلسطيني، ففُتحت جبهة الجنوب بوصفها تقريبًا للطريق نحو القدس، ونُقلت المعركة من الدفاع إلى الهجوم الواعي.

الوحدة لأجل القدس:

آمن أن تحرير فلسطين مشروطٌ بوحدة الأمة، فعمل على التقريب بين المذاهب، وبنى علاقاتٍ مبكرة مع حركات المقاومة الفلسطينية، معتبرًا الانقسام خدمةً مجانيةً للصهيونية.

الوصية التي أثمرت «طوفان الأقصى»

أسّس لمبدأ تلازم الساحات، فصار أمنُ لبنان من أمن فلسطين، وما يجري اليوم من إسنادٍ لغزة هو الثمرة الطبيعية لوصيته: حفظُ المقاومة.

ربيعُ المقاومة ومواجهةُ الاحتلالِ الصهيوني:

لم يكن السيد عباس الموسوي قائدَ مرحلةٍ عابرة، بل كان ربيعَ المقاومة الذي أزهر في زمن القحط والهزائم، فحوَّل اليأس الشعبي إلى وعيٍ مقاتل، والخوف إلى شجاعةٍ جماعية.

منذ فتوّته، جمع بين التواضع الإنساني والصلابة الجهادية؛ كان قريبًا من الناس، حنونًا على أسر الشهداء، حاضرًا في تفاصيل

وحين جاء الاجتياح الصهيوني عام 1982، لم يتعامل معه كطارئٍ عسكري، بل كفرصةٍ تاريخية لكسر أسطورة العدو، فانخرط ميدانيًا، والتحق بدورات الحرس الثوري في البقاع، وحمل معه الحوزة والوعي إلى المتراس، ليؤسس مقاومةً تعرف لماذا تقاتل وكيف تنتصر.

وفي الجنوب، التقى بالشهيد الشيخ راغب حرب، فتزاوج المنبر والبندقية، وترسَّخت معادلة أن المواجهة تبدأ بتحطيم الخوف قبل تحطيم الدبابة. وحين تولّى الأمانة العامة عام 1991، لم تزد مدتها على تسعة أشهر، إلا أنها كانت كافية ليؤكد أن القيادة خدمةٌ وتضحية، مرددًا وصيته الخالدة: «أنا بخدمتكم… لكن احفظوا المقاومة»، وممهّدًا الطريق لمرحلةٍ قادها من بعده السيد حسن نصر الله على ذات النهج.

نهجُ عباس الموسوي – وعيٌ يحرِّر العقول وسلاحٌ يحمي الوجود:

لم تكن المقاومة عنده تكديسَ سلاح، بل بناءَ إنسان؛ فالسلاح بلا وعي أداةٌ صمّاء، والوعي بلا سلاح ترفٌ عاجز.

حرّر العقول من الهزيمة النفسية، وحوّل المقاومة إلى ثقافة كرامةٍ وحياة.

ربطُ المنبر بساحة النار – الثمار الثلاث

من مدرسته خرجت ثلاثُ ركائز:

– وعيٌ يتجسّد شهادةً.

– عقلٌ ميداني يصنع الردع.

– قيادةٌ تاريخية ممتدّة.

هي شجرةٌ واحدة، جذورها الموسوي، واتجاهها القدس.

ميثاقُ الدم تحت ظلال الولاية:

لم تكن الشهادة نهاية، بل قوّة دفعٍ استراتيجية.

بعد اغتياله، جاء نعي الإمام علي الخامنئي ليكرّس اللقب: سيّد شهداء المقاومة، مؤكدًا أن دمه ودم زوجته وطفله وقودُ المرحلة القادمة، وأن الاغتيال تحوّل من محاولة إضعاف إلى انطلاقةٍ كبرى صنعت مقاومةً إقليميةً تُحسب لها الحسابات.

من المحراب إلى المتراس – العائلةُ ميثاقٌ تربوي:

لم تكن عائلته محيطًا اجتماعيًا، بل نواةَ مقاومة.

مع الشهيدة أم ياسر بُني البيت الكربلائي: تربيةٌ على الصلاة، والوعي، وحب الشهادة. وتحول المنزل إلى منارةٍ، حتى بات قبلةً روحيةً لقادة المحور، وفي مقدمتهم الشهيد قاسم سليماني.

سلاحُ المقاومة ضمانةُ الوطن – توحيدُ الساحات:

أكد أن السلاح ضرورةٌ وجودية. واليوم يتجلّى الامتداد في توحيد الجبهات من لبنان إلى اليمن، حيث تتجسّد معركة الإسناد لغزة بقيادة عبد الملك الحوثي، فتُغلق البحار وتُستهدف الأعماق بمنطق ردعٍ واحد.

الخاتمة: من ثرى النبي شيث إلى قبة القدس – ميثاقُ الدم والانتصار:

في النبي شيث يرقد الجسد، لكن المشروع حيّ. الضريح ليس مقامَ ذكرى، بل منارةَ عهد.

لم يُغتل عباس الموسوي ليُطفأ نهجه، بل ليصير دمه بوصلة، ووصيته قانونَ بقاء.

سلامٌ على القائد الذي وحّد الساحات بدمه،وسلامٌ على مقامه الذي سيبقى…

أقصرَ الطرق إلى القدس.القرى كما هو حاضر في خنادق المواجهة.

زر الذهاب إلى الأعلى