مقالات

قراءة في مسلسل «حمدية»: بين الدراما وصناعة الذاكرة

الشيخ الدكتور عبد الرضا البهادلي _ مقالات 

مع اقتراب شهر رمضان، أعلنت قناة MBC العراق عن عرض مسلسل «حمدية». والسؤال الجوهري هنا: هل نحن أمام عمل اجتماعي عابر، أم أمام خطاب ثقافي يتجاوز حدود الفن ليُسهم في إعادة تشكيل الذاكرة والهوية؟

ما نطرحه لا ينطلق من رفض الفن، بل من الإيمان العميق بخطورته وأثره في تشكيل الوعي الجمعي.

الدراما… حين تصبح أداة لصناعة الصورة الذهنية

لم تعد المسلسلات مجرّد وسيلة للترفيه، بل غدت أدوات فاعلة في صناعة الصور الذهنية وترسيخ القناعات. فعندما يُربط الانحراف باسم ذي قدسية خاصة مثل «مهدي»، ويُقحم ضمن سياق يمسّ مرقد الإمام موسى الكاظم عليه السلام، ثم يُختتم المسار بربط الشخصية بتنظيم تنظيم داعش، فإننا لا نكون أمام حبكة درامية بريئة، بل أمام رسالة رمزية محمّلة بإيحاءات ثقافية وسياسية واجتماعية خطيرة.

الدراما الحديثة أشد تأثيراً من المقالات السياسية؛ لأنها تخاطب العاطفة قبل العقل. يتفاعل المشاهد، يتعاطف، ثم يتشرّب الصورة قبل أن يحاكمها نقدياً. ومع التكرار تتكوّن القناعات: عن المرأة، عن المتديّن، عن الطائفة، وعن المدينة. وفي موسم رمضان، حيث تبلغ نسب المشاهدة ذروتها، لا يبقى العمل مجرد مسلسل، بل يتحوّل إلى مرجع ثقافي خفي يسهم في تشكيل وعي الأجيال.

بين تهميش التاريخ وإعادة صياغة السردية

بعد عقود من ظلم النظام البعثي الصدامي، ثم سنوات الإرهاب الداعشي، قدّم العراقيون آلاف الشهداء دفاعاً عن الأرض والعِرض. كان المنتظر أن تُوثَّق هذه المظلومية وتُخلَّد تلك البطولات في أعمال درامية كبرى تحفظ الذاكرة الوطنية. غير أن ما نراه أحياناً هو إعادة صياغة معكوسة للسردية؛ حيث يُهمَّش التاريخ الحقيقي، ويُضخَّم نموذج منحرف لا يمثل الواقع، بما يفتح الباب لتشويه الصورة العامة وتغليب الاستثناء على القاعدة.

الأمم التي لا تكتب تاريخها تُكتَب عنها روايات الآخرين. والدراما اليوم من أخطر أدوات صناعة الذاكرة المعاصرة؛ فهي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تمنحها معنى وتؤطرها وجدانياً.

رمضان بين القداسة والمسؤولية الفنية

رمضان شهر تزكية وقيم وأخلاق، وليس موسماً لإثارة الجدل أو توظيف الرموز الحساسة في سياقات صادمة. إن احترام قدسية الشهر وحساسية المجتمع لا يتعارض مع الإبداع، بل يضبطه ضمن إطار من المسؤولية. الفن المسؤول هو الذي يوازن بين الجرأة والوعي، بين حرية التعبير ومراعاة السلم المجتمعي.

حرية التعبير وحدودها

لا خلاف على أن حرية التعبير قيمة أساسية في أي مجتمع حيّ. لكنها، في كل التجارب الإنسانية، تقف عند حدود الإضرار بالآخرين أو المساس بسلم المجتمع. حين يمسّ العمل الفني الرموز الدينية أو يلامس الجراح الطائفية المفتوحة، فإنه يتحول من شأن فني خاص إلى شأن عام يستدعي نقاشاً مجتمعياً ومراجعة مسؤولة.

المؤسسات المعنية، وفق القانون، مطالَبة بحماية السلم المجتمعي وضمان ألا تتحول المنصات الإعلامية إلى أدوات لإعادة إنتاج الانقسام. فبلد خرج من حرب طائفية وانقسامات مؤلمة لا يحتمل خطاباً يعيد فرز مكوناته أو يثير حساسياته.

خاتمة

إن النقاش حول «حمدية» ليس صراعاً مع الفن، بل دفاعاً عن دوره الحقيقي: أن يكون جسراً للوعي، لا أداة لإعادة تشكيل الذاكرة بصورة منحازة أو مستفزة.

الفن قوة ناعمة، لكنه قد يصبح قوة خطرة إذا استُخدم بلا وعي. وبين الحرية والمسؤولية مساحة ينبغي أن تُملأ بالحكمة، حفاظاً على هوية المجتمع وسلامه ومستقبله.

زر الذهاب إلى الأعلى