
منذ متى أصبحت سيادة الدول تُـقاس بدرجة رضا الجيران؟
ومنذ متى بات اختيار قادة الأوطان مشروطاً بابتسامة سفير أو تغريدة مسؤول إقليمي؟
ظهر في العراق -ويا للأسف- مصطلح هجين لا وجود له في القواميس السياسية الرصينة، اسمه:
القبول الإقليمي
أو الرضا الإقليمي
أو بصيغة أكثر تزويقاً:
التوافق الإقليمي!
مصطلح لم يُـنحت لتنظيم العلاقات الدولية، بل لتبرير الضعف، وتغليف العجز، وإضفاء مسحة عقلانية زائفة على التبعية ..
فلنسأل ببساطة وهي أبلغ أدوات الفضح:
هل سمعنا يوماً أن تركيا تنتظر موافقة إيران لتعيين رئيسها؟
هل تستشير السعودية مصر قبل اختيار ولي عهدها؟
هل تطرق القاهرة أبواب العواصم لتأخذ “الضوء الأخضر” على وزير أو رئيس حكومة؟
هل رأينا مسؤولاً تركياً يزور بغداد أو طهران ليسأل:
“هل أنتم راضون عن مرشحنا للرئاسة؟”
الجواب واضح لدرجة السخرية:
لا ..
ولم يحدث ..
ولن يحدث.
ولو حدث، لتحول إلى نكتة سياسية تتداولها الصحف قبل المقاهي ..
إن الدول التي تحترم نفسها تفهم قاعدة واحدة:
السيادة لا تُـستأذن ..
القرار الوطني لا يُـعرض في مزاد إقليمي.
مصطلح وُلد من رحم الخوف
“القبول الإقليمي”
لم يولد من حرص على الاستقرار، بل من:
١- خوف من تحمّـل القرار الصحيح.
٢- عجز عن المواجهة السياسية.
٣- إفلاس في الحجة الوطنية.
٤- واستسهال تحميل الخارج مسؤولية الداخل.
حين يعجز السياسي عن الدفاع عن خياره يقول:
“الظروف الإقليمية لا تسمح”
“لا يوجد توافق إقليمي”
“المرحلة حساسة”
وكلها ترجمات مهذبة لجملة واحدة:
أنا لا أملك الجرأة ولا الإرادة ولا الحس الوطني الحقيقي.
سيادة مُـختزلة ووطن يُـدار بالاستئذان
الأخطر في هذا الطرح ليس سذاجته، بل تطبيعه لفكرة خطيرة:
أن العراق دولة بحاجة إلى وصاية سياسية غير معلنة!
كأن العراقيين قُـصّـر سياسياً ..
كأن أصواتهم لا تكفي ..
كأن مؤسساتهم بلا قيمة ..
كأن القرار لا يصبح “شرعياً” إلا بعد ختم إقليمي ..
وهذه ليست سياسة
هذه إهانة لوطن كامل.
لو طُـبق منطقهم على العالم لانتهت الدول
تخيلوا لو أن كل دولة عملت بمنطق
“الرضا الإقليمي”:
• فرنسا تنتظر موافقة ألمانيا.
• روسيا تستشير أمريكا.
• الصين تطلب إذناً من اليابان.
حينها لن تبقى دول بل إدارات محلية بإشراف الجوار ..
الحقيقة التي يهربون منها ..
لا يوجد في القانون الدولي ولا في الأعراف السياسية شيء اسمه:
قبول إقليمي لاختيار قيادات دولة مستقلة.
يوجد:
• مصالح.
• ضغوط.
• تحالفات.
لكن لا يوجد حق للجوار في الفيتو على القرار الوطني ..
ومَـن يقبل بذلك طوعاً لا يلومنّ أحداً على ضياع السيادة.
“القبول الإقليمي”
ليس مفهوماً سياسياً ..
بل قناع أنيق للتبعية،
ومبرر فاخر للهروب من المسؤولية، وشهادة ضعف يرفعها بعض ساسة العراق بأيديهم ..
الدول القوية تختار ثم تتعامل ..
أما الدول المرتبكة فتستأذن ثم تبرر ..
والفرق بينهما هو الفرق بين وطن سيد
ووطن يُـدار بالخوف.



