
السياسة عند دونالد ترامب لا تُقاس بطول البيانات بل بسرعة النتائج. مهلة شهر وضعها للمفاوضات مع إيران، شهر واحد قبل أن يبدأ الربيع، وقبل أن يدخل الجمهوريون موسم التجديد النصفي وهم بحاجة إلى ما يرفع صورته في الداخل، نجاح يُعلّق على الجدار ويُقال للناخبين، هذا ما أنجزناه.
في جنيف، يتحرك عباس عراقجي وفريقه بخطوات محسوبة، لا استعجال ولا انفعال. الإيرانيون يدخلون الجولة وهم يضعون خطاً واضحاً، التفاوض نووي فقط، لا صواريخ ولا أذرع إقليمية. المسألة بالنسبة إليهم سيادة وحق في التخصيب لأغراض سلمية، نقطة أول السطر وآخره. الرسالة إلى الداخل قبل الخارج، نحن لا نساوم على الأساس.
في المقابل، أعلن ماركو روبيو في ميونيخ أن التفاوض هو الخيار الأفضل الآن. كلمة الآن تحمل اعترافاً ضمنياً بأن سياسة الضغط وحدها لم تُنتج الحسم. الدبلوماسية عادت إلى الطاولة، ليس حباً في الحوار، بل اعترافاً بأن البدائل مكلفة.
وفي الخلفية، تتحرك حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford نحو الخليج. استعراض قوة لا تخطئه العين. اليد الممدودة في جنيف تقابلها قبضة حاضرة في البحر. غير أن طهران اعتادت هذه اللغة، تعرف أن حاملات الطائرات لا تفاوض، بل تلوّح.
الأكثر دلالة هو ما تسرب عن حديث اقتصادي، تعاون واسع بعد رفع العقوبات، إعادة إعمار، استثمارات، انفتاح. هنا تتكشف طبيعة اللحظة، واشنطن تحتاج إلى صفقة يمكن تسويقها، وطهران تعرف أن مفاتيح الاقتصاد هي ما يؤلم خصمها كما يؤلمها. لذلك لا تبدو مستعجلة، بل تدير الوقت كما لو كان حليفاً.
الربيع يقترب، والانتخابات تطرق الأبواب في واشنطن. أما في جنيف، فالمشهد مختلف، هدوء محسوب وثقة بأن من صمد تحت العقوبات سنوات، لن يتنازل تحت مهلة شهر.
قد يخرج اتفاق، وقد يتعثر المسار. لكن الواضح أن إيران تفاوض من موقع من يعرف أوراقه جيداً، فيما يحتاج البيت الأبيض إلى نتيجة سريعة. بين من يريد صفقة عاجلة ومن يراهن على النفس الطويل، غالباً ما تكون الغلبة لمن لا يستعجل.



