
ما تقدمه بعض القنوات المعروفة ومنها قناة العهد، تحت لافتة “الإعلام” سوى منصّات لتصفية الحسابات، وأدوات رخيصة لتشويه السمعة، وسلاحاً مأجوراً يُستخدم عند الطلب. فبدل أن يكون الإعلام حارساً للحقيقة وميزاناً للوقائع، انحدر في حالات كثيرة ليغدو سمسار كذب، يقتات على الإثارة، ويتغذّى على الفتنة، ويستخف بعقل جمهور يُفترض احترام وعيه لا التلاعب به.
إن الهجمات المتكررة على السيد نوري المالكي من على شاشة العهد وفي جميع برامجها ونشراتها الاخبارية، خرجت من إطار النقد السياسي المشروع، وتحولت إلى حملات منظّمة، مكشوفة الأهداف، قذرة الأدوات. فالنقد الموضوعي له حدود، أما اختلاق الروايات، وفبركة الاحداث، وتسويق الأكاذيب على أنها معلومات خاصة، أو تسريبات، فذلك ليس إعلاماً مهنياً ولا تحليلاً موضوعياً، بل تزوير متعمّد للوعي العام وتشويه مقصود للوقائع.
وما تطرحه قناة العهد كنموذج صارخ لقنوات التضليل وشراء مرتزقة الإعلام، حيث تُفتح الشاشات لمن يقبل لعب دور الأداة، ويُستدعى أنصاف محللين لتدوير الشائعات بلباس التحليل. هناك تُلوى أعناق الحقائق، وتُمنح الأكاذيب صفة “قراءة سياسية”، وتتحول الأستوديوهات إلى غرف عمليات نفسية، تُدار فيها الحملات بلا وثيقة شرف، وبلا مصدر موثوق، وبلا حد أدنى من المهنية أو الخجل.
الأخطر من الكذبة نفسها هو آلية عمل هذه المؤسسة الإعلامية، التي تُرمى الرواية المختلقة اولاً، ثم تُضخّم، ثم تُكرَّر على ألسنة متعددة، حتى يُراد لها أن تستقر في أذهان المتلقين كأنها حقيقة. دون دليل، ولا احترام لعقل المشاهد، بل رهان أعمى على التكرار والضجيج بوصفهما بديلاً عن البرهان.
و هذه النماذج من القنوات البائسة، مع شديد الأسف، لم تعد مؤسسات إعلامية، بل مقاولات إساءة. تُجنّد من تشاء، وتدفع لمن تشاء، وتبيع الهواء لكل من يقبل أن يكون سكيناً في يد المموّل، طالما أن الهدف هو التسقيط لا التنوير، والتحريض لا الإخبار. هنا تُغتال المهنية، ويُهان الذوق العام، ويُداس الوعي الجماعي.
ومع ذلك، ورغم حجم التهويل والتدليس والكذب والتلفيق، يلاحظ في المقابل تصاعد واضح في الدفاع الشعبي عن السيد المالكي. فالشارع، بخلاف رهانات صناع التضليل، لم يعد متلقياً سلبياً، بل بات يرد بقوة، ويفنّد الأكاذيب، ويواجهها بثقة. وهذا التفاعل لم يأتِ من فراغ، بل من معرفة متراكمة بطبيعة الرجل ومسيرته.
فشخصية المالكي معروفة بصلابة مواقفها، ورصانة تعاملاتها، وشجاعة قراراتها في اللحظات المفصلية. وهي سمات ترسّخت عبر سنوات طويلة من العمل السياسي والأمني في ظروف بالغة التعقيد. لذلك، تصطدم محاولات إلصاق هذا الكم من الروايات المختلقة به بواقع راسخ في الوعي العام، واقع لا تنطلي عليه قصص التوسل أو المساومة أو الارتباك السياسي.
والإعلام المسؤول لا يصنع رأياً عاماً بالكذب، ولا يبني شارعاً غاضباً بالافتراء، ولا يدير صراعاته بالشائعة. الإعلام الحقيقي يسأل، ويتحقق، ويحاسب بالأدلة. أما إعلام الوحل، فيصرخ بدل أن يبرهن، ويشتم بدل أن يحلل، ويكذب ثم يطالب الناس بالتصديق.



