قراءة تحليلية: هل يؤسّس التنازل عن رئاسة الحكومة لأعراف تتجاوز الدستور؟
الشيخ الدكتور ياسر الحميداوي

عقب انتهاء الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق، اتجهت مواقف غالبية قوى الإطار التنسيقي نحو ترشيح السيد نوري المالكي لتولي مهمة تشكيل الحكومة، بوصفه مرشحًا يحظى بدعم وازن داخل التحالف. غير أن هذا التوجه لم يمرّ دون اعتراضات، إذ برزت تحفظات من بعض القيادات داخل البيت الشيعي نفسه، إلى جانب ضغوط ومواقف إقليمية ودولية رافضة، صدرت عن شخصيات وجهات متعددة، من بينها رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، فضلًا عن إشارات غير مرحبة من عواصم عربية كبرى مثل الرياض والدوحة.
في ظل هذا المناخ المتشابك، تصاعدت الدعوات المطالبة بتنحي المالكي لصالح مرشح بديل، وهو ما فتح الباب أمام جدل سياسي واسع، اعتبره كثيرون تجاوزًا خطيرًا على قواعد العمل الديمقراطي، وتمهيدًا لنهج سياسي قد يُفرغ الاستحقاق الدستوري من مضمونه.
الاستحقاق الدستوري أمام معادلة الضغط
إن التنازل عن التكليف بتشكيل الحكومة، حين يأتي استجابةً لضغوط داخلية أو خارجية، لا يمكن قراءته باعتباره خيارًا شخصيًا معزولًا، بل يمثل تحوّلًا بنيويًا في آليات إنتاج السلطة التنفيذية. فحين تُزاح النصوص الدستورية ونتائج صناديق الاقتراع لصالح منطق التوافقات القسرية، يُفتح المجال واسعًا أمام تدخل الإرادات الإقليمية والدولية، بما يهدد جوهر العملية الديمقراطية، ويقوّض ثقة القوى السياسية بجدوى المسار الانتخابي برمته.
تآكل هيبة المنصب التنفيذي الأول
إجبار رئيس وزراء مكلّف على التنازل، دون إخفاق انتخابي أو مسار قانوني واضح، يبعث برسالة مقلقة مفادها أن موقع رئاسة الحكومة بات خاضعًا لمنطق الابتزاز السياسي لا لمعايير الاستحقاق. وهو ما يضعف هيبة السلطة التنفيذية، ويفتح الباب لتحويل هذا المنصب السيادي إلى موقع هش، تحكمه موازين القوى المتقلبة بدل أن يكون ركيزة للاستقرار وإدارة الدولة.
تصدّع داخلي في البنية الشيعية
كما يسهم هذا المسار في تعميق الانقسام داخل المكوّن الشيعي، وأضعف وحدة القرار التي شكّلت في مراحل سابقة عنصر قوة في إدارة التوازنات الوطنية. ومع تصاعد الخلافات، تحوّل الصراع من تنافس على البرامج والسياسات إلى نزاع شخصي وتخندقات فئوية، ما ينعكس سلبًا على قدرة هذا المكوّن على التفاوض والتأثير في اللحظات السياسية المفصلية.
حكومات تسوية بلا سند فعلي
ومن نتائج هذا النهج أيضًا، ولادة حكومات قائمة على توافقات هشة، تفتقر إلى قاعدة سياسية متماسكة وإرادة تنفيذية مستقلة. وغالبًا ما تجد هذه الحكومات نفسها رهينة لمعادلات المحاصصة ومطالب الترضية، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف القرار، شلل الأداء الحكومي، واتساع رقعة الفساد الإداري والمالي.
البعد الخارجي وإدارة القرار السيادي
لا يمكن فصل التنازل في هذا السياق عن قراءته كبوابة لتكريس التدخل الخارجي في الشأن العراقي. إذ يُنظر إليه كدليل على قابلية النظام السياسي للتأثر بالضغوط الإقليمية والدولية، ما يشجع على مزيد من الانخراط الخارجي في رسم ملامح السلطة، ويجعل الاستقرار الداخلي مرهونًا بحسابات خارج الحدود.
فجوة متنامية بين الناخب والنظام السياسي
أما على الصعيد الشعبي، فإن تجاوز الإرادة الانتخابية لصالح تسويات تُبرم خلف الكواليس يترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى الجمهور، ويعزز القناعة بأن صوت الناخب لا يمتلك وزنًا حقيقيًا في صناعة القرار. وهو ما ينذر، على المدى البعيد، بتراجع المشاركة السياسية، واتساع فجوة الثقة بين الشارع ومؤسسات الدولة.
خلاصة: من الواقعة إلى القاعدة
إن التنازل عن رئاسة الوزراء في ظل هذه المعطيات لا يمكن اعتباره حدثًا عابرًا، بل يشكل منعطفًا سياسيًا خطيرًا، يسهم في إضعاف الدولة، ويكرّس منطق التسويات على حساب الاستحقاقات الدستورية. وهو مسار إن استمر، سيبقى العراق يدفع ثمنه، ما لم تتجه القوى السياسية نحو إعادة الاعتبار للمؤسسات، وتغليب منطق الدستور على إرادات الصفقات العابرة للحدود.



