
تشهد العاصمة بغداد منذ أيام، حضورًا لافتًا لآلاف الخريجين والعاطلين عن العمل المطالبين بالتعيين وتوفير فرص عمل، بعد سلسلة من الإضرابات والاحتجاجات التي امتدت إلى محافظات أخرى وواجهات عدد من الوزارات، وآخرها تظاهرات أمس الثلاثاء ( 10 شباط 2026 ). هذا الحراك المتصاعد يفتح مجددًا ملف البطالة بين خريجي الجامعات والمعاهد، بوصفه واحدًا من أكثر التحديات الاجتماعية والاقتصادية إلحاحًا في العراق.
في موازاة المشهد في الشارع، يطلق النائب مضر الكروي تحذيرًا واضحًا من تكوّن ما وصفه بـ”جيش من العاطلين عن العمل”، في ظل استمرار تزايد مخرجات التعليم العالي بمعدلات لا تتناسب مع القدرة الفعلية للدولة وسوق العمل على الاستيعاب.
يقول الكروي في حديثه ، إن “العراق يشهد معدلات غير مسبوقة في مخرجات التعليم العالي، سواء في الجامعات الحكومية أو الأهلية، التي تضاعف عدد كلياتها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية بنسب عالية جدًا، مع بروز مئات الأقسام والاختصاصات”.
ويضيف أن “الحقائق تؤكد بما لا يقبل الشك أن نحو 95% من هؤلاء الخريجين لا يمكن تأمين وظائف لهم في مؤسسات الدولة بمختلف عناوينها، ما يعني أننا أمام جيش من العاطلين عن العمل لا محالة”.
ويشير الكروي إلى أن “مخرجات التعليم العالي مرشحة للوصول إلى معدلات استثنائية في السنوات القليلة المقبلة، وقد تقفز إلى حاجز المليون خريج من الكليات والمعاهد”، مؤكدًا أن “هذا الواقع يفرض ضرورة تشكيل لجنة وطنية عليا للتعامل مع الملف وفق التخطيط والحاجة الفعلية للاختصاصات وسوق العمل”.
ويشدد على أن “القطاع الخاص يجب أن يمثل طوق النجاة الحقيقي لنحو 95% من الخريجين الذين لا يمكن استيعابهم في مؤسسات الدولة، عبر توفير فرص عمل حقيقية ومستدامة”.
من الإضرابات إلى التظاهرات.. الشارع يعكس ضيق الخيارات
التجمعات التي شهدتها بغداد اليوم ليست حدثًا معزولًا؛ فهي امتداد لتحركات سابقة تمثلت في إضرابات واعتصامات لخريجي الكليات والمعاهد وحملة الشهادات العليا أمام مباني الوزارات والمؤسسات الحكومية، طلبًا للتعيين أو إدراجهم ضمن برامج تشغيل واضحة.
هذا التراكم في أشكال الاحتجاج يعكس شعورًا متزايدًا لدى شريحة واسعة من الشباب بأن المسار الطبيعي بين مقاعد الدراسة وسوق العمل بات مقطوعًا أو غامضًا في أحسن الأحوال، وأن الانتقال من الشهادة إلى الوظيفة لم يعد مسارًا مضمونًا كما كان يُنظر إليه في السابق.
توسع جامعي دون تخطيط موازٍ لسوق العمل
خلال السنوات الماضية، شهد العراق توسعًا كبيرًا في عدد الجامعات والكليات، خصوصًا الأهلية، وتزايدًا لافتًا في الأقسام والتخصصات، ما أتاح فرصًا أكبر للالتحاق بالتعليم العالي، لكنه خلق في المقابل فجوة واضحة بين التخصصات المطروحة وحاجات سوق العمل الفعلية.
تأكيد الكروي على تضاعف عدد الكليات وظهور مئات الأقسام يعكس غياب ربط منهجي بين سياسة القبول والتوسع الجامعي من جهة، والخطط التنموية والاقتصادية من جهة أخرى. فالكثير من التخصصات النظرية والإنسانية تخرّج أعدادًا كبيرة من الطلبة سنويًا، في حين تبقى الفرص المتاحة في القطاعات المنتجة محدودة، أو غير قادرة على استيعاب هذه المخرجات.
قدرة الدولة على التوظيف.. سقف مالي وإداري واضح
في ضوء الأرقام المتعلقة بحجم الجهاز الحكومي وكتلة الرواتب في الموازنات العامة، تبدو قدرة الدولة على فتح أبواب التعيين على نطاق واسع محدودة للغاية. فالمؤسسات الحكومية تعاني أصلًا من تضخم في أعداد الموظفين، ووجود بطالة مقنعة في قطاعات عديدة، في وقت تحتاج فيه الموازنات إلى توجيه جزء كبير من الإنفاق إلى البنى التحتية والخدمات الأساسية.
هذا الواقع يجعل الاعتماد على “التعيين الحكومي” كحل رئيسي لأزمة البطالة بين الخريجين خيارًا صعبًا ومكلفًا، بل وغير قابل للاستدامة على المدى المتوسط والبعيد، مهما كانت الضغوط الشعبية والسياسية في الشارع.
اللجنة الوطنية العليا.. ضرورة التخطيط لا الاكتفاء بالتوصيف
دعوة الكروي إلى تشكيل لجنة وطنية عليا للتعامل مع مخرجات التعليم العالي تبدو، في هذا السياق، محاولة لنقل الملف من دائرة المعالجات الظرفية إلى إطار تخطيطي أوسع. فمثل هذه اللجنة، إذا ما أُنشئت بشكل فعّال، يمكن أن تضم ممثلين عن وزارات التعليم العالي، والتخطيط، والعمل، والمالية، إلى جانب الجهات المعنية بالاستثمار والقطاع الخاص.
المطلوب من هذه اللجنة، وفق ما يمكن استنتاجه من حديث الكروي، لا يقتصر على توصيف الأزمة، بل وضع مسارات عملية، من بينها:
-مراجعة سياسات القبول والتوسع في الجامعات والكليات، وربطها بسقوف واضحة لحاجات السوق.
-إعادة النظر في هيكلية التخصصات، وتوجيه جزء أكبر من الطلبة نحو التخصصات التقنية والمهنية التي تخلق فرص عمل أوسع.
-إعداد قاعدة بيانات دقيقة حول المخرجات الحالية والمتوقعة، وربطها ببرامج تشغيل وتدريب تستهدف الخريجين الجدد.
نجاح مثل هذا المسار يتوقف على توفر إرادة سياسية، ومنح اللجنة صلاحيات حقيقية تتجاوز الطابع الشكلي أو الاستشاري.
القطاع الخاص.. “طوق نجاة” مشروط ببيئة سليمة
إشارة الكروي إلى أن القطاع الخاص يجب أن يمثل “طوق النجاة” لـ 95% من الخريجين تعكس إدراكًا بأن الدولة وحدها لم تعد قادرة على القيام بدور المشغل الأكبر. لكن تحويل هذا التصور إلى واقع يحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة، وتشريعات واضحة، ومناخ آمن للمشاريع الإنتاجية والخدمية القادرة على خلق فرص عمل واسعة ومتنوعة.
فمن دون إصلاحات أوسع في بيئة الأعمال، ومحاربة فعلية للفساد، وتسهيل إجراءات تأسيس وتشغيل الشركات، سيبقى القطاع الخاص محدود التأثير في معالجة أزمة البطالة، مهما قيل عن دوره المفترض أو المنتظر.
بين الشارع وصانع القرار.. ملف لا يحتمل التأجيل
التظاهرات التي خرجت اليوم، وما سبقها من احتجاجات وإضرابات، تتحرك في مساحة واحدة مع ما يطرحه النواب والخبراء من تحذيرات. الفارق أن الشارع يتحدث بلغة الحاجة المباشرة والضغط الآني، فيما تتحدث المؤسسات بلغة الأرقام والخطط.
النقطة الفاصلة بين المسارين ستكون في قدرة الدولة على الانتقال من الاعتراف بحجم المشكلة إلى وضع خريطة طريق واضحة: تعترف بحدود قدرة القطاع العام على التوظيف، وتعيد هيكلة مسار التعليم العالي، وتعمل بالتوازي على تنشيط القطاع الخاص ليكون قادرًا فعليًا، لا نظريًا، على استيعاب الجزء الأكبر من الخريجين.
من دون هذا الانتقال، ستظل مشاهد التظاهرات والاعتصامات تتكرر كل عام مع دفعة جديدة من الخريجين، فيما يظل مصطلح “جيش العاطلين” ينتقل من التنبيه النيابي إلى وصف واقع معاش، لا مجرّد تحذير مبكر.



