
عندما يُقرأ المشهد الجيوسياسي ببصيرة عسكرية، يتبدّى اليمن كمعادلة استثنائية لا تخضع لمنطق التوازنات التقليدية؛ لأنه “وعد الآخرة” الذي تجسَّد فيه اليمنيون “أولي بأس شديد”، فكانوا كما وصفهم التاريخُ أُمَّـةً عصية على الانكسار، تحول جغرافيتها إلى حاضنة لحرب استنزاف غير مسبوقة، وجعلت من مضيق باب المندب “خانوق الملاحة” للهيمنة الصهيوأمريكية، محولةً إياه من ممرٍ آمن لهم إلى فِخٍّ استراتيجي أرهق أعتى القوى البحرية.
في صنعاء، تدار الحربُ بمنطق مختلف، حَيثُ القيادة لا تزنُ المصالح بموازين السياسة الدنيوية، بل تلتزم بمبدأ لا يحيد عن المصلحة التي أمر بها الله في مواجهة العدوّ.
وهذا الثبات الأيديولوجي هو ما أربك حسابات الغرب منذ 2011؛ فبينما سعت واشنطن ولندن عبر تصريحات قادتها العسكريين إلى وعدٍ بقصف “أنصار الله” وإنهاء نفوذهم، ها هما اليوم يعترفان بفشل ذريع، ويواجهان قوة ردع متنامية تمتلك تفوقًا صناعيًّا عسكريًّا مذهلًا، حوّل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة إلى معادلة دقيقة ترهب العدوّ وتفاجئ الحليف.
هذا الكابوس اليمني قلب موازين القوى العالمية، وشكّل عنصر المفاجأة الذي أذاق العالم الغربي طعم الهزيمة النفسية قبل العسكرية.
وفي اللحظة التي كان فيه “محور القدس والمقاومة” يعيد الحسابات الغربية إلى نقطة الصفر، برزت إيران كمعلم استراتيجي يلقن العدوّ الصهيوأمريكي وأذنابه في الخليج دروسًا قاسية في قوة الردع، حَيثُ باتت طهران تدرك أن الرهان على المصالح المشتركة لا يصمد أمام منطق القوة الذي تفهمه واشنطن فقط.
العالم اليوم يرسم ملامحه الجديدة، ودول محور المقاومة هي اللاعب الرئيسي في التغيير، والاقتصاد العالمي الذي ارتبط بأعصاب النفط والذهب، بات تحت رحمة قطبي محور المقاومة؛ ما دفع الصين وروسيا إلى تبني موقف “المنتظِر” حيال العدوان على إيران؛ فبينما تترقب موسكو وبكين انتهاء المعركة لتعظيم مكاسبهما، يظل التحول الاستراتيجي الحقيقي مرهونًا بقدرة المحور على فرض وقائع جديدة.
في شمال فلسطين المحتلة، يشكّل “حزب الله” جبهةَ التنكيل بالعدوّ رغم الخيانات السياسية التي تمارسُها حكومةُ لبنان العاجزة، فيما تكشفُ الخياناتُ العربية عن مواقفَ هزيلةً فقدت فيها الأنظمة الرسمية بُوصلتها، تاركةً مصر في حيرة استراتيجية، هل تحافظُ على أمنها المائي عبر التعاون مع المقاومة، أم تخوضُ حربًا ليست من حساباتها؟
وبينما يواصلُ العالَمُ الغربي دعمَه المطلق لكيان الاحتلال، يدرك مرتزِقة الداخل أن مصيرهم المحتوم هو السقوط في مزاد سياسي، وأن حساباتهم لا تعدل شيئًا أمام ثبات جمهور محور المقاومة.
أما تهديدات المعتوه ترامب للطاقة، فتبقى مُجَـرّد ذُعر يعكس قمة العجز أمام محور استطاع أن يحوّل الجغرافيا والسياسة إلى سلاح موجِع.
وفي هذا المشهد أثبت اليمن أن إرادَة الشعوب، حين تلتقي بالبصيرة الإلهية، تستطيع أن ترعب الطغاة وتعيد تشكيل العالم قسرًا.



