تحقيقات

تراجع المنتخبات الوطنية: حين تجف “الينابيع المدرسية” وتتبخر أحلام الأبطال

فنار نيوز _ تحقيقات

لطالما كانت المدارس العراقية هي المختبر الأول والمنجم الحقيقي الذي يمد الأندية والمنتخبات الوطنية بالخامات والمواهب. ولكن، في ظل الواقع الحالي، نجد أن الرياضة العراقية تعيش أزمة “هوية وتواصل”؛ فبينما تسيطر كرة القدم كرياضة شعبية وحيدة، تندثر الألعاب الأخرى (السلة، الطائرة، ألعاب القوى) في أروقة المدارس المهملة، مما أدى إلى تراجع مخيف في مستوى المنتخبات الوطنية.

المدرسة: الملاذ الوحيد للألعاب غير “الجماهيرية

ليست كل المواهب خُلقت لتركل كرة القدم؛ فالبنية الجسدية لبعض الطلاب تؤهلهم ليكونوا عمالقة في كرة السلة أو أبطالاً في الوثب العالي. هؤلاء الموهوبون لا يجدون مكاناً يحتضن ميزاتهم الفطرية سوى البطولات المدرسية.

عندما يغيب الدعم عن هذه النشاطات، نحن لا نفقد نشاطاً لا صفياً فحسب، بل نغلق النافذة الوحيدة أمام لاعب السلة الطموح أو عداء المسافات القصيرة الذي لا يملك نادياً قريباً من منزله.

معضلة “السيولة” وموت الحافز

إن العذر المتكرر بـ “عدم وجود سيولة مالية” لإقامة البطولات الوزارية أو تأمين سفر المنتخبات المدرسية داخلياً وخارجياً، أحدث شرخاً كبيراً في منظومة التطوير. اللاعب الموهوب في مراكز التدريب التابعة لوزارة التربية يمر بمراحل:

1. مرحلة التأسيس: حيث يكتسب المهارة واللياقة.

2. مرحلة النضج: حيث يحتاج للاحتكاك والمنافسة.

3. مرحلة الاحباط: وهي الأخطر، حيث يجد اللاعب نفسه يتدرب لسنوات دون “بطولة” رسمية يفرغ فيها طاقته ويقيس بها مستواه.

القاعدة الرياضية تقول: “التدريب بلا منافسة هو روتين قاتل للموهبة”. حين يصل اللاعب إلى قمة مستواه البدني والمهاري ولا يجد منصة للتنافس، يتسلل إليه الملل، وتنتهي أحلامه بترك اللعبة، ليخسر العراق مشروع بطل أولمبي بسبب “تذكرة سفر” أو “تكاليف إقامة”.

المراكز التدريبية.. قلاع تنهار بصمت

تعد المراكز التدريبية في وزارة التربية هي “المغذي الوريدي” للأندية. ومع قلة الدعم، بدأت هذه المراكز تتراجع وتذبل بمرور الأيام. المدربون التربويون، رغم كفاءتهم، باتوا يفتقرون للأدوات وللمنافسات التي تبرر وجود هذه المراكز، مما حولها من مصانع للأبطال إلى مجرد مساحات لممارسة الهواية المحدودة.

خارطة الطريق لإنقاذ ما تبقى

إنقاذ الرياضة العراقية يبدأ من “استعادة هيبة” الرياضة المدرسية عبر:

• تخصيص ميزانية “سيادية” للنشاط الرياضي المدرسي لا تخضع للتقلبات الإدارية.

• إحياء البطولات الوزارية المركزية وجعلها هدفاً سنوياً يطمح له كل طالب وموهب.

• تفعيل التوأمة بين مراكز وزارة التربية التدريبية وبين كشافي الأندية والمنتخبات لضمان انتقال الموهبة من المدرسة إلى منصة التتويج.

الخاتمة

إن إهمال الرياضة المدرسية هو بمثابة تجفيف للمنابع؛ فالمنتخبات الوطنية هي “الثمار” التي لا يمكن أن تنمو إذا جفت جذورها في المدارس. إن الاستثمار في سفر طالب موهوب للمشاركة في بطولة مدرسية دولية، هو استثمار في مستقبل سمعة العراق الرياضية، وحماية لشبابنا من ضياع أحلامهم في أزقة النسيان.

زر الذهاب إلى الأعلى