تحقيقات

تقارير عن صواريخ إيرانية و”مدن تحت الأرض”.. هل يتحول العراق إلى منصة مواجهة كبرى بين واشنطن وطهران؟

مع ارتفاع منسوب التوتّر بين إيران والولايات المتحدة، وازدياد الحديث عن احتمال توسّع المواجهة من حرب ضربات متبادلة إلى صدام أوسع، برزت تحذيرات لافتة من الخبير العسكري العراقي علاء النشوع، حذّر فيها من أنّ أيّ استخدام لصواريخ بعيدة المدى من قِبَل فصائل عراقية ضدّ القوات أو المصالح الأمريكية قد يفتح الباب أمام “احتلال جديد للعراق”، في ضوء حشد عسكري أمريكي كبير يطوّق المنطقة.

هذه التحذيرات تتقاطع مع تقارير صحفية دولية عن نقل صواريخ إيرانية إلى فصائل عراقية، ومع رصد حشد بحري وجوي أمريكي غير مسبوق قرب إيران والعراق، ومع نقاشات موازية حول إمكان تحوّل اليمن إلى ساحة عمليات برّية جديدة، ما يجعل العراق في قلب معادلة إقليمية معقّدة يمكن أن ينزلق فيها إلى واجهة المواجهة من جديد إذا اتّسع نطاق الاشتباك.


صواريخ إيرانية طويلة المدى على الأراضي العراقية؟

تحدّثت صحف غربية عن معلومات استخبارية تفيد بأنّ إيران قامت، ولأوّل مرّة، بتزويد فصائل مسلّحة عراقية بصواريخ “أرض – أرض” بعيدة المدى، في خطوة تُقرأ بوصفها جزءًا من استراتيجية ردع متقدّمة في حال تعرّضت طهران لضربة أمريكية أو إسرائيلية واسعة.

وبحسب هذه التسريبات، فإنّ جزءًا من هذه الصواريخ خُزّن في مواقع داخل العراق وربّما في دول أخرى في المنطقة، بهدف توفير قدرة ردّ سريعة على قواعد أو أهداف أمريكية وإسرائيلية، مع تقليل الحاجة لإطلاق الصواريخ من الأراضي الإيرانية نفسها. هذه الصورة، إذا صحّت، تعني أنّ أيّ قرار بالتصعيد الصاروخي لن يكون معزولًا عن الجغرافيا العراقية، بل قد يُنفَّذ من داخلها أو عبر فصائل ترتبط بها سياسيًّا وعسكريًّا.

كما أنّ المشهد ازداد تعقيدًا وخطورة قبل نحو أسبوع، عندما أعلنت بعض الفصائل عن إنشاء ما سمّته “مدينة تحت الأرض للصواريخ” داخل العراق، في استعراض لقدرات صاروخية مدفونة في باطن الأرض يصعب رصدها أو استهدافها بضربة واحدة. هذا الإعلان، بصرف النظر عن دقّة تفاصيله الميدانية، يضيف طبقة جديدة من القلق؛ إذ يعزّز صورة العراق في نظر الولايات المتحدة كمنصّة صاروخية محتملة في أيّ مواجهة كبرى، ويرفع في الوقت نفسه من احتمالات تحوّله إلى هدف مباشر في حال تقرّر الردّ على هذه القدرات أو تحجيمها عسكريًا.

من هنا يطرح علاء النشوع سؤالًا حرجًا: إذا انطلقت صواريخ بعيدة المدى من الأراضي العراقية نحو أهداف أمريكية، هل سيُعامَل العراق كلّه باعتباره “منصّة عداء” تُبرّر تدخّلًا عسكريًّا أوسع؟


حشد عسكري أمريكي يطوّق العراق وإيران

يتحدّث النشوع عن مشهد إقليمي عسكري شديد التعقيد، يشمل وجود مجموعات بحرية أمريكية كبيرة في شمال بحر العرب والبحر الأحمر وشرق المتوسط، ومقاتلات متقدّمة من طرازات متنوّعة متمركزة في قواعد جوّية منتشرة في دول المنطقة، وقوّات برّية جاهزة للتحرّك.

ويضيف الخبير العسكري أنّه “تمّ جلب ثلاث فرق مارينز تقريبًا، أي ما يقارب 35 ألف جندي أمريكي موجودين الآن في قواعد أمريكية تحيط بالعراق وتحيط بإيران”، على حدّ تعبيره، موضّحًا أنّ هذا الحجم من الانتشار لا يهدف فقط إلى توجيه ضربات جوّية أو صاروخية، بل يخلق قابلية لانتقال جزء من هذه القوّات إلى عمليات برّية إذا فُتِحت الأبواب السياسية والعسكرية لذلك.

صحيح أنّ الخطاب السياسي الأمريكي العلني يركّز على “الردع والضغط” أكثر من “الغزو الشامل” كما حدث عام 2003، لكنّ قراءة النشوع تنطلق من خبرة بالواقع العراقي: كلّما تحوّل البلد إلى ساحة لإطلاق النار على الأمريكيين، زادت قابليّة واشنطن لاستثمار هذا الواقع في تبرير توسيع الوجود العسكري وفرض وقائع أمنية جديدة على الأرض.


تحذير النشوع من “احتلال جديد” وقواعد الاشتباك

في المداخلة المتداولة، يربط علاء النشوع بين ثلاثة عناصر أساسية:

-تسليح الفصائل بصواريخ بعيدة المدى، كما تحدّثت عنه تقارير صحفية غربية.

-الحشد العسكري الأمريكي الحالي حول العراق وإيران، بما فيه قوّات بحرية وجوية ووحدات من مشاة البحرية.

-التحكّم الأمريكي بقواعد الاشتباك في المنطقة، أي أنّ معظم خطوط النار الجوّية والبحرية تمرّ اليوم عبر قرار أمريكي أو بإشراف أمريكي مباشر.

النشوع يخلص إلى أنّه “إذا كان ما نُشر صحيحًا، وأقدمت فصائل عراقية على استخدام هذه الصواريخ ضدّ الولايات المتحدة، فسيكون ذلك وصفة لاحتلال جديد للعراق”، متوقّعًا أن تستخدم واشنطن مثل هذا الهجوم لتبرير إدخال قوّات برّية إضافية تحت عناوين من قبيل “حماية القوّات الأمريكية ومصالحها” أو “منع تحوّل العراق إلى منصّة صواريخ إيرانية”.

وفي رؤيته، فإنّ “أمريكا اليوم تسيطر على قواعد الاشتباك”، ولا توجد تقريبًا “جبهة نار رئيسية في الإقليم خارج الإرادة الأمريكية”، ما يعني أنّ أيّ قرار غير محسوب من داخل العراق قد يُدخله مرة أخرى في قلب معركة تُرسَم قواعدها خارج حدوده.


اليمن كجبهة موازية في الحسابات الأمريكية

لا يحصر النشوع السيناريو في العراق فقط، بل يشير إلى أنّ جزءًا من هذه القوّات يمكن أن يُستخدم في عمليات برّية في اليمن، بعد موجات الضربات الجوّية التي استهدفت مواقع تابعة لجماعة أنصار الله، وحديث متكرّر عن ضرورة “تأمين الملاحة” في البحر الأحمر وخليج عدن.

وبحسب هذه القراءة، فإنّ اليمن قد يتحوّل إلى ساحة اختبار أوّل لعمليات برّية أوسع، تدعمها قوّات محلّية حليفة، فيما تبقى احتمالية توسيع نطاق العمليات إلى دول أخرى – ومنها العراق – واردة، إذا تداخلت الجبهات واستُخدمت أراضٍ عربية مختلفة للضغط على الولايات المتحدة أو لاستهداف مصالحها.

وأضافت “من المؤمل أن يشارك الصحفيون الذين يحملون صفة عضو ممارس، في انتخابات نقابة الصحفيين العراقيين في دورتها الـ 23 لانتخاب نقيب ونائبي نقيب و6 أعضاء لمجلس النقابة و3 أعضاء للجنة الانضباط مع 3 أعضاء للجنة المراقبة”.


الأسلحة الأمريكية الحديثة وسيناريو “ما بعد مادورو”

إلى جانب ذلك، تتزايد في الأوساط العسكرية والإستراتيجية التحذيرات من التطوّر النوعي في منظومة الأسلحة الأمريكية الحديثة، ولا سيّما تلك التي جرى اختبارها أو التلويح بها في ملفات حسّاسة مثل فنزويلا خلال أزمة نيكولاس مادورو، حيث سعت واشنطن إلى تكريس نموذج جديد في إدارة الصراع يقوم على مزيج من العقوبات الخانقة، والحصار البحري، والضغط الاستخباري، والتهديد باستخدام ضربات دقيقة بعيدة المدى من دون الحاجة إلى غزو برّي شامل.

هذا النمط من التفكير يجعل “الاحتلال” في صورته الجديدة أقلّ اعتمادًا على دبابات تدخل العاصمة، وأكثر ارتكازًا على شلّ مراكز القيادة والسيطرة، واستهداف البنى التحتية الحيوية، ودعم قوى محلّية موالية على الأرض، بما يحوّل الدولة المستهدفة إلى فضاء مفتوح للنفوذ الخارجي من دون إعلان احتلال رسمي.

ومن هنا تبدو خطورة تكرار هذا السيناريو في العراق إذا تحوّلت أراضيه إلى منصّة لصواريخ الفصائل ضدّ الولايات المتحدة؛ إذ يمكن أن تجد واشنطن في ذلك فرصة لتوظيف تفوّقها التكنولوجي وسلاحها الجوّي والبحري والإلكتروني لفرض وقائع أمنية جديدة، تحت شعار “حماية القوّات والمصالح” أو “منع تكرار نموذج مادورو في الشرق الأوسط”، بينما يدفع العراقيون ثمن معركة تتحرّك أدواتها من خارج حدودهم.


بين “الاحتلال الكامل” و”توسيع الوجود العسكري”

تحذيرات علاء النشوع لا تعني بالضرورة أنّ واشنطن تتّجه إلى تكرار نسخة طبق الأصل من غزو عام 2003، لكنّها تسلّط الضوء على سُلّم خيارات أوسع، يبدأ من توسيع القواعد العسكرية الحالية وتشديد إجراءاتها، ويمرّ بنشر قوّات خاصّة وقوّات ردّ سريع بأعداد أكبر، وفرض مناطق عسكرية مغلقة أو “ممرّات آمنة” في بعض المحافظات، وينتهي بفرض نوع من “الوصاية الأمنية غير المعلنة” على القرار العراقي، من خلال الضغط السياسي والاقتصادي.

في هذه الحالة، يصبح الفعل المسلّح من داخل العراق – خصوصًا إذا استُخدمت فيه صواريخ بعيدة المدى – عاملًا حاسمًا في دفع واشنطن نحو خيارات أكثر تشدّدًا، حتى إن لم تصل إلى غزو شامل بالمعنى التقليدي للكلمة.


ماذا يعني كلّ ذلك للعراق اليوم؟

قراءة النشوع للمشهد تضع العراق أمام مفترق طرق واضح: إمّا أن يحافظ على مسافة أمان منطقية عن صواريخ “الحرب الكبرى” وأن يمنع تحويل أراضيه إلى منصّة لاشتباك استراتيجي بين أمريكا وإيران. أو أن ينزلق – عن قصد أو عن سوء تقدير – إلى موقع “الساحة” مرّة أخرى، بما يحمله ذلك من مخاطر على سيادته ووحدة مؤسساته ووضعه الاقتصادي والأمني.

الرسالة الجوهرية في هذه التحذيرات أنّ من يقرّر الضغط بالصواريخ على الولايات المتحدة قد لا يكون هو نفسه من يتحمّل ثمن ردّ الفعل على الأرض، أمّا الكلفة الواقعية فستدفعها الدولة والمجتمع والاقتصاد والعراقيّون العاديّون، إذا فُتِح الباب أمام وجود عسكري أوسع، تحت أيّ مسمّى.

زر الذهاب إلى الأعلى