مقالات

مفاوضات واشنطن وطهران وأنعكاساتها على توازنات المنطقة والعراق .؟

طه حسن الأركوازي

في لحظات التحول الكُبرى داخل النظام الدولي ، لا تكون المفاوضات مجرد لقاءات تقنية تبحث في ملفات محددة ، بل تتحول إلى مؤشرات أوسع على أتجاهات التوازنات الإقليمية وحدود القوة وأشكال إدارة الصراع ، من هذا المنظور تأتي الموافقة الأمريكية على نقل محادثاتها مع إيران إلى العاصمة العُمانية مسقط بعد طلب طهران ، بوصفها خطوة تتجاوز بُعدها الإجرائي لتلامس عمق المشهد السياسي في الشرق الأوسط ، بما يحمله من تعقيد وتشابك في المصالح والحسابات .

المتابع لمسار هذه الجولة من المفاوضات يلاحظ أن الجدل لم يكن محصوراً في مضمون الملفات المطروحة ، بل أمتد إلى مكان اللقاء وصيغته وطبيعته وهو ما يعكس درجة الحساسية التي تحيط بالعلاقة بين الطرفين ، فأختيار مسقط ، التي راكمت خبرة طويلة في لعب دور الوسيط الهادئ يوحي برغبة مُشتركة في توفير بيئة أقل توتراً ، وأكثر قابلية لأحتواء الخلافات حتى في ظل أستمرار الخطاب المُتشدد من الجانبين .

تقارير صادرة عن مراكز دراسات دولية ، مثل معهد “بروكينغز” ومعهد “تشاتام هاوس” ، تشير إلى أن واشنطن تتعامل مع الملف الإيراني ضمن مُقاربة مُزدوجة تقوم على الجمع بين الضغط المُستمر ، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً ، في حين تسعى طهران إلى تثبيت مُعادلة الأعتراف بها لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه مع حصر التفاوض في الملف النووي دون التمدد إلى قضايا تعتبرها جُزءاً من منظومتها السيادية والأمنية .

هذا التباين في الرؤى يُفسر سبب تكرار التعثر في الجولات السابقة ، كما يفسر أيضاً الإصرار على الاستمرار في الحوار رغم كُل الإشكالات ، فالتقديرات الاستراتيجية لدى الطرفين وفق دراسات صادرة عن مراكز أبحاث أوروبية وآسيوية تلتقي عند قناعة أساسية مفادها أن كُلفة الانفجار الشامل أعلى بكثير من كُلفة التفاوض الطويل والمُتعثر .

ضمن هذا السياق ، تبدو المنطقة بأكملها في حالة ترقب ، ليس فقط لما ستسفر عنه المباحثات ، بل لطبيعة الرسائل السياسية التي تحملها ، فنجاح المفاوضات أو فشلها ستكون له أرتدادات مُباشرة على ملفات أمنية وأقتصادية وسياسية مُتعددة من الخليج إلى شرق المتوسط ، مروراً بالعراق الذي يظل أحد أكثر الساحات تأثراً بهذه التحولات .

بالنسبة للعراق ، تُشير دراسات صادرة عن مراكز بحثية عراقية وعربية إلى أن موقعه الجُغرافي وتركيبته السياسية يجعلان منه نقطة تماس دائمة مع الصراعات الإقليمية وهو ما يفرض عليه أتباع سياسة خارجية مُتوازنة تقوم على مبدأ تحييد البلاد عن صدامات المحاور مع الحفاظ على شبكة علاقات منُفتحة مع مُختلف الأطراف ، هذه المُقاربة ليست ترفاً سياسياً ، بل ضرورة مُرتبطة بأمن الدولة واستقرارها ومسار بنائها الداخلي .

تجارب دول مرت بظروف مُشابهة تؤكد أهمية هذا المسار ، فبعد عقود من الصراع أختارت “فيتنام” تبني سياسة خارجية براغماتية مُتوازنة مكّنتها من إقامة علاقات متوازنة مع قوى مُتنافسة ، مع التركيز على التنمية الداخلية وبناء المؤسسات .

وفي “كولومبيا” ، أسهمت عملية السلام الطويلة والمُعقدة في نقل البلاد من دائرة العنف المزمن إلى مرحلة إعادة بناء تدريجية رغم أستمرار التحديات .

القاسم المُشترك في هذه التجارب يتمثل في إدراك النُخب السياسية أن الصراعات الخارجية لا يمكن أن تكون بديلاً عن مشروع وطني جامع ، وأن قوة الدولة تبدأ من الداخل قبل أن تنعكس على الخارج ، هذا الدرس يبدو شديد الصلة بالحالة العراقية حيث ما زالت عملية بناء الدولة تواجه تحديات تتعلق بالحوكمة ، وتماسك المؤسسات ، والثقة بين المواطن والسلطة .

من هنا ، فإن قراءة تطورات المفاوضات الأمريكية الإيرانية يجب ألا تنحصر في بُعدها الخارجي فقط ، بل ينبغي ربطها بسؤال أعمق يتعلق بقدرة العراق على صياغة موقعه ضمن هذا المشهد المُتغير ، فكُلما كان القرار الوطني أكثر أستقلالية وتوازناً ، تقلصت فرص تحوّل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات .

كما أن تعزيز المسار الدبلوماسي العراقي ، وتطوير أدواته ، وبناء رؤية أستراتيجية واضحة للعلاقات الإقليمية والدولية ، يمثل ركُناً أساسياً في حماية المصالح العليا للدولة ، وتشير تقارير صادرة عن مراكز بحوث عربية إلى أن الدول التي نجحت في عبور مراحل الاضطراب هي تلك التي أستثمرت في مؤسساتها الدبلوماسية ، وربطت سياستها الخارجية بأهداف تنموية واضحة، لا بشعارات ظرفية .

إن ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران يذكّر بأن المنطقة لا تزال تعيش مرحلة إعادة تشكل بطيئة ، تتداخل فيها المصالح مع المخاوف ، والفرص مع المخاطر ، وفي خضم هذا المشهد يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدول ومنها العراق على تحويل التحديات إلى دوافع لبناء دولة مستقرة ذات سيادة فعلية وقادرة على حماية قرارها الوطني ، ولعل الرسالة الأهم التي يمكن أستخلاصها هي أن الدبلوماسية الهادئة ، المتوازنة ، والمُستندة إلى قراءة واقعية للمتغيرات ، تظل الخيار الأكثر عقلانية في عالم تتزايد فيه منسوب الاضطرابات .

أما بناء الدولة ، فهو مسار تراكمي يبدأ بإصلاح الداخل ، ويترسخ عبر سياسة خارجية رشيدة ، وينتهي بتثبيت مكانة البلد كفاعل لا كساحة ، وكشريك لا كموضوع للتجاذب..!

زر الذهاب إلى الأعلى