
أثارت ملاحظات السيد عمار الحكيم، التي تضمنت الدعوة إلى توجيه رسالة إلى المرجعية الدينية بوصفها شرطًا في القبول بترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء من داخل الإطار التنسيقي، جدلًا سياسيًا واسعًا، ولا سيما بعد صدور جواب صريح من المرجعية أكدت فيه أنها لا تتدخل في التفاصيل السياسية، وتنأى بنفسها عن مثل هذه الحوارات، في رد حمل توبيخًا ضمنيًا واضحًا.
ورغم هذا الموقف المعلن، استمر تيار الحكمة وأعضاؤه، مدعومين بجيوش إلكترونية وماكنة إعلامية نشطة، في الترويج لفكرة رفض المالكي بذريعة “عدم قبوله من قبل المرجعية”، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بطبيعة الخطاب المستخدم، وحدود توظيف المرجعية الدينية في الصراع السياسي.
المرجعية في الخطاب السياسي: حضور انتقائي
يلاحظ مراقبون أن المرجعية الدينية العليا تُستدعى في الخطاب السياسي العراقي غالبًا في اللحظات الحرجة، بوصفها عامل تهدئة أو غطاء أخلاقي، دون أن يقترن ذلك بالضرورة بالتزام فعلي بتوصياتها أو بمضامين خطابها الإصلاحي.
هذا النمط من “الاستدعاء الانتقائي” لا يقتصر على جهة سياسية بعينها، لكنه يتكرر بوضوح في تجارب عدة لقوى مشاركة في السلطة، حيث يتم التلويح بدعم المرجعية عند الحاجة السياسية، ثم تجاوز توجيهاتها عندما تتعارض مع مصالح حزبية أو حسابات انتخابية.
تيار الحكمة وقانون الانتخابات: مثال تطبيقي
من أبرز الأمثلة التي يستشهد بها محللون، موقف المرجعية من قانون الانتخابات، إذ دعت في أكثر من مناسبة إلى تشريع قانون أكثر عدالة وتمثيلًا، وهو ما تُرجم لاحقًا بقانون كشف الأحجام الحقيقية للكتل السياسية داخل المجتمع.
غير أن هذا المسار لم يستمر طويلًا، فبعد تشكيل الحكومات ودخول القوى الفائزة في معادلات السلطة، جرى تعديل القانون بما يخدم مصالح الكتل الكبرى، وهو ما انعكس بوضوح على عدد المقاعد البرلمانية لبعض الأطراف التي انتقلت من تمثيل محدود إلى كتل وازنة داخل مجلس النواب.
السلاح المنفلت بين الخطاب والواقع
ملف السلاح خارج إطار الدولة يمثل بدوره نموذجًا آخر لهذا التناقض. فقد شددت المرجعية مرارًا على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، ورفضت ظاهرة السلاح المنفلت لما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار.
في المقابل، لا تزال بعض الجماعات المسلحة ترفع شعارات الالتزام بتوجيهات المرجعية، في وقت تمارس فيه نشاطها خارج الأطر الرسمية للدولة، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجام الخطاب المعلن مع الممارسة الفعلية على الأرض.
المالكي داخل الإطار: أسئلة بلا إجابات واضحة
عودة اسم نوري المالكي إلى واجهة النقاش السياسي أعادت طرح أسئلة جوهرية داخل المشهد الشيعي نفسه. فبعض الأطراف التي تتحفظ اليوم على ترشيحه، كانت ولا تزال تتعامل معه بوصفه أحد أبرز أركان الإطار التنسيقي، وصاحب تأثير واضح في قراراته وتوازناته.
ويطرح مراقبون تساؤلات منطقية: إذا كان المالكي غير مناسب لتولي رئاسة الوزراء، فلماذا يحظى بهذا الحضور داخل الإطار؟ وإذا كانت هناك قناعة بعدم جدواه السياسية، فلماذا لم تُطرح هذه الملاحظات بوضوح خلال السنوات الماضية، بدل استحضارها فقط عند طرح اسمه للمنصب؟
بين الإصلاح وإدارة السلطة
يرى متابعون أن جوهر الأزمة لا يكمن في شخص بعينه، بقدر ما يرتبط بطريقة إدارة الخطاب السياسي، واستخدام عناوين كبرى مثل “الإصلاح” و”المرجعية” بوصفها أدوات ضغط مرحلية، لا التزامات ثابتة.
فالإصلاح، بحسب هذا الرأي، لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة تدوير الأسماء ذاتها، ولا عبر استدعاء المرجعية في البيانات السياسية دون الالتزام العملي بتوصياتها، سواء في ملف الانتخابات، أو حصر السلاح بيد الدولة، أو مكافحة الفساد.
خلاصة
يبقى السؤال المركزي مفتوحًا: هل تتجه القوى السياسية نحو مراجعة حقيقية لعلاقتها بالمرجعية وبخطاب الإصلاح، أم أن الاستدعاء سيبقى محكومًا بمنطق الحاجة السياسية فقط؟
في ظل غياب إجابات واضحة، يظل الشارع العراقي أمام مشهد يتكرر فيه الخطاب، بينما تتبدل المواقف تبعًا لموازين القوة، لا لمتطلبات الإصلاح أو احترام إرادة الناس.
فنار نيوز



