أخباراقتصاد

تناقض السياسات الجمركية.. كيف تعرقل مساواة رسوم “الهايبرد” بالبنزين أهداف النقل النظيف في العراق؟

لا تتلخّص أزمة سوق السيارات في العراق في صور السيارات الصينية الكهربائيّة والهايبرد التي غزت الشوارع خلال الأعوام الأخيرة، ولا في النقاش الدائر حول سلامة بطّارياتها أو كفاءة عملها تحت شمس تتجاوز حرارتها خمسين درجة. جوهر المشكلة أعمق من ذلك بكثير، ويتعلق ببنية سوق منفلتة منذ عقود، وبغياب سياسة صناعية ونقل واضحة، وبفوضى استيراد جعلت البلاد واحدة من أكثر الأسواق استهلاكًا للسيارات المستوردة في المنطقة، من دون أي قاعدة إنتاجية محلية حقيقية أو تنظيم مؤسّسي مستقر.

في هذا السياق، يؤكّد الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن المشهداني، في حديثه، أنّ أزمة سوق السيارات “لا تقتصر على انتشار السيارات الصينية الهايبرد أو الكهربائيّة، وإنّما ترتبط بما وصفه بـ(فوضى الاستيراد) وغياب التنظيم المؤسّسي لعملية دخول المركبات إلى البلاد، الأمر الذي انعكس سلبًا على نوعية السيارات المتداولة ومستوى الخدمات المرتبطة بها”.


من “الشركة العامة للسيارات” إلى فوضى ما بعد 2003

يرى المشهداني أنّ السوق العراقية فقدت، منذ التسعينيات، الإطار المؤسّسي الذي كان ينظّم عملية دخول المركبات. فالشركة العامة للسيارات كانت في السابق تتولّى تحديد شروط استيراد المركبات، وتفرض مواصفات محدّدة تضمن مطابقتها للمواصفة العراقية، بما في ذلك نوع الوقود، ومواصفات السلامة، وملاءمة السيارة للبيئة المحلية.

بعد عام 1990، ومع الحصار الاقتصادي، انكمش هذا الدور بشكل حاد، ثم جاءت مرحلة ما بعد 2003 لتفتح الحدود على مصراعيها عمليًا، مع إلغاء شبه كامل للرسوم الكمركية في السنوات الأولى، وغياب فعلي للرقابة النوعية على ما يدخل البلاد من مركبات. هذه الفوضى سمحت بدخول أعداد هائلة من السيارات المستعملة أو منخفضة الجودة، من مناشئ متعدّدة، وبأنواع مختلفة من الوقود والمواصفات التقنية، من دون وجود سياسة نقل واضحة تربط بين عدد المركبات، والطاقة الاستيعابية للطرق، ومستوى التلوّث، وقدرة أجهزة الدولة على تنظيم السير والصيانة.

بمرور الوقت، ترسّخ نمط استيراد يعتمد على القطاع الخاص بشكل شبه كامل، مع تراجع دور الدولة إلى حدود الإشراف الشكلّي عبر الرسوم الكمركية وبعض الفحوصات في الموانئ والمنافذ. النتيجة اليوم واضحة في شوارع بغداد والمدن الكبرى: اختناقات مرورية يومية، وبنية تحتية قديمة لا تستوعب عدد المركبات الحالي، إذ تشير تقارير إلى أنّ العاصمة وحدها تضم ما بين 3 إلى 4 ملايين مركبة، على طرق لم تُصمَّم أصلًا لهذا الحجم من الحركة.


طفرة السيارات الصينية.. من البنزين إلى الهايبرد والكهرباء

تزامن هذا الانفلات مع دخول اللاعبين الصينيين بقوّة إلى السوق العراقية خلال السنوات الأخيرة. فمع تحوّل العراق من “سوق إعادة إعمار” إلى “سوق استهلاكية ناشئة”، بات هدفًا طبيعيًا لشركات السيارات الصينية التي تبحث عن أسواق جديدة في الشرق الأوسط.

تُظهر بيانات اقتصادية أنّ واردات العراق من السيارات الصينية قفزت بشكل كبير؛ إذ جرى استيراد أكثر من 18 ألف سيارة صينية في النصف الأول من عام 2025، مقابل نحو 10 آلاف فقط في الفترة نفسها من عام 2024، بنسبة نمو وصلت إلى 80 بالمئة تقريبًا، مع قيمة استيراد بلغت مئات ملايين الدولارات خلال ستة أشهر فقط.

في الوقت نفسه، بدأ المستهلك العراقي – خصوصًا في إقليم كردستان وبعض المدن الكبيرة – يميل تدريجيًا نحو السيارات الهايبرد ثم الكهربائيّة، ليس فقط لأسباب بيئية، بل بسبب ارتفاع كلفة الوقود، ورداءة نوعية البنزين أحيانًا، فضلًا عن إعلانات مكثّفة تروّج لانخفاض كلفة التشغيل والصيانة. دراسات حديثة عن الإقليم تشير إلى استعداد متزايد لدى المستهلكين لاقتناء سيارات هجينة وكهربائيّة، مع تحسّن نسبي في البنية التحتية الكهربائية هناك قياسًا ببقية البلاد.

المشهداني يربط هذا التحوّل بدوافع اقتصادية بالدرجة الأولى، موضحًا أنّ الانتقال من سيارات البنزين إلى الهايبرد ثم الكهربائيّة جاء “نتيجة انخفاض كلفة الشحن مقارنة بالوقود التقليدي”، مع تراجع نسبي في تكاليف شراء بعض الطرازات الصينية التي تُمنح دعمًا حكوميًا داخل الصين.

لكنّ جزءًا من هذه السيارات – كما يوضح – لا يأتي من خطوط التصدير الرسمية للمصانع، بل من سيارات مخصّصة أصلًا للسوق المحلية الصينية ومدعومة حكوميًا، يجري شراؤها وشحنها بطرق غير مباشرة إلى العراق، ما يعني فروقات في الجودة وفي منظومة الضمان وخدمات ما بعد البيع. هذه النقطة أثارت، في أوقات سابقة، تحذيرات من وكلاء وشركات كبرى في العراق من مخاطر استيراد سيارات “معدّة للسوق الداخلي الصيني” لا تستوفي دائمًا مواصفات التصدير القياسية.


من فوضى المواصفات إلى غياب الوكلاء والصيانة

واحدة من أبرز المشكلات التي يشخّصها المشهداني هي غياب الوكالات الرسمية القادرة على تنظيم عملية الاستيراد والتوزيع وخدمات ما بعد البيع. فالسوق، كما يقول، “تفتقر إلى وجود وكلاء رسميين حقيقيين ينظّمون الاستيراد وفق المواصفات المعتمدة”، بعد أن تراجع دور الشركة العامة للسيارات وتحول الاستيراد إلى نشاط تهيمن عليه مئات المكاتب والشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة.

هذا الواقع أنتج ثلاثة إشكالات رئيسية:

أوّلًا: دخول سيارات مستعملة أو متدنية الجودة، بعضها تعرّض لحوادث أو أضرار كبيرة في بلدان المنشأ وأُعيد ترميمه وبيعه في العراق على أنّه “بحالة جيّدة”، من دون شفافية في تاريخ المركبة.

ثانيًا: غياب شبكات صيانة متخصّصة وقطع غيار أصلية للسلالات الجديدة من السيارات، خصوصًا الصينية الكهربائيّة والهايبرد، ما يترك المواطن أمام ورش غير معتمدة، ويحوّل أي عطل بسيط إلى مشكلة معقّدة وكلفة عالية.

ثالثًا: غياب الكوادر الفنّية المدرّبة من قِبل المصنّعين، وهو ما يوضّحه المشهداني بقوله إنّ “العراق يفتقر إلى كوادر فنية مدرّبة لدى الشركات المصنّعة، ما يعرّض المواطنين إلى صعوبات كبيرة عند حدوث الأعطال”.

هذه العناصر تجعل من قرار شراء سيارة كهربائيّة أو هايبرد في العراق عمليّة مخاطرة مضاعفة؛ فالمشتري لا يحصل فقط على سيارة جديدة في سوق ناشئة، بل يدخل أيضًا في مغامرة مع منظومة صيانة وضمان غير مكتملة الأركان، ومع بيئة قانونية لا تمنحه حماية كافية إذا اكتشف لاحقًا وجود عيب مصنعي أو مشكلة جوهرية في البطارية أو منظومة الكهرباء

السيارات الكهربائيّة في مناخ 50 درجة.. أسئلة سلامة وبيئة وبنية تحتية

يحذّر المشهداني من المخاطر المحتملة المرتبطة بالسيارات الكهربائيّة، ولا سيّما تلك التي تعمل ببطّاريات الليثيوم، مشيرًا إلى احتمال تعرّضها للاشتعال أو الانفجار في حالات حوادث السير، أو الشحن المفرط، أو ارتفاع درجات الحرارة. هذا التحذير لا يأتي من فراغ؛ فدراسات وتقارير فنّية حول أداء بطّاريات الليثيوم في البيئات الحارة تؤكّد أنّ الحرارة المرتفعة تسرّع من تدهور الخلايا، وتزيد من احتمالات الأعطال والحرائق إذا لم تُرفَق بأنظمة تبريد ومراقبة دقيقة.

العراق، الذي تسجّل فيه بعض المناطق درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية في الظل خلال أشهر الصيف، يواجه تحديًا مضاعفًا في هذا المجال. فحرارة الهواء العالية تعني حرارة أكبر لسطح السيارة، ودرجات أعلى بكثير في داخل المقصورة وفي حجرة البطارية عند إيقاف المركبة تحت الشمس لفترات طويلة.

إلى جانب ذلك، يلفت المشهداني إلى أنّ البلاد “تفتقر حتى الآن إلى آليات واضحة للتعامل مع نفايات بطّاريات السيارات الكهربائيّة وإعادة تدويرها”، وهو ملف بيئي معقّد حتى في الدول الصناعية المتقدّمة، فكيف ببلد ما تزال بنيته التحتية البيئية هشّة، ونظامه لإدارة النفايات الخطرة في طور التشكّل.

ويضيف سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع هذه السيارات أن تعمل بكفاءة في ظل هذه الظروف المناخية القاسية، ومع شبكة كهرباء “غير مستقرة” أساسًا، تواجه انقطاعات وذبذبات متكرّرة؟ دراسات عن ملاءمة السيارات الكهربائيّة للشرق الأوسط تشير إلى أنّ غياب البنية التحتية المناسبة لمحطّات الشحن، إلى جانب الحرارة المرتفعة وبعد المسافات أحيانًا، يجعل من اعتمادها خيارًا يحتاج إلى تخطيط عميق، وليس مجرّد موجة استهلاك جديدة.


تعرفة جمركية واحدة للهايبرد والبنزين.. حين تعاكس السياسة هدف “النظافة”

في الوقت الذي تتحدّث فيه حكومات عديدة حول العالم عن تشجيع السيارات الهايبرد والكهربائيّة عبر تخفيض الرسوم والضرائب عليها مقارنة بالسيارات التقليدية، شهد العراق مؤخرًا جدلًا واسعًا بعد قرار فرض تعرفة جمركية واحدة تقريبًا على السيارات الهجينة والبنزين، باعتبارها ضمن “سلع كمالية” تشملها التعرفة الجديدة التي تصل في بعض الحالات إلى 15 بالمئة. منظمات بيئية حذّرت من أنّ مساواة الهجينة بالتقليدية في الرسوم “خطأ جسيم” قد يزيد من تلوّث الهواء بدل أن يحدّ منه، لأنّه يرفع الكلفة على المستهلك الذي يرغب بالانتقال إلى نماذج أقلّ استهلاكًا للوقود

في المقابل، سبق أن تحدّثت تقارير عن حوافز عراقية أُطلقت عام 2024 لتشجيع استيراد السيارات الكهربائيّة من الصين، من خلال تخفيض بعض الرسوم ومنح إعفاءات ضريبية لوسائط النقل العام الكهربائيّة، في محاولة لمجاراة موجة التحوّل العالمي نحو النقل النظيف.

هذا التناقض بين سياسات متباينة – مرّة تسهّل ومرّة تقيّد – يعكس غياب رؤية إستراتيجية متكاملة لسوق السيارات في العراق: هل الهدف تقليل الاستهلاك الكلي للوقود؟ أم تخفيف الاختناقات المرورية؟ أم تشجيع صناعة محلية مستقبلًا؟ أم زيادة الإيرادات الجمركية على حساب كل ما سبق؟


فرصة ضائعة: مليار ونصف لمصنع مفقود

يعيد المشهداني التذكير بفرصة صناعية يعتبرها نموذجية لما يمكن أن يكون عليه البديل؛ إذ يقول إنّ العراق تلقّى في عامي 2006 أو 2007 عرضًا من شركة “نيسان” لإنشاء مصنع محلي بكلفة تصل إلى مليار ونصف المليار دولار لإنتاج نحو 100 ألف سيارة سنويًا بمختلف الاستخدامات، من بينها سيارات الصالون والبيك أب، لكن المشروع لم يُنفّذ، رغم أنّ البلاد استوردت خلال عام واحد سيارات بقيمة مماثلة تقريبًا.

هذا المثال يلخّص المفارقة الأساسية في ملف السيارات: العراق ينفق مليارات الدولارات سنويًا على استيراد مركبات مكتملة الصنع، في حين لم يُبنَ حتى الآن نموذج صناعي جزئي – ولو بدأ بالتجميع – يخلق سلسلة قيمة محلية تشمل التشغيل، ونقل التكنولوجيا، وبناء قدرات فنية محلية، وتصدير جزء من الإنتاج مستقبلاً.


إلى أين؟ تنظيم الاستيراد أم إعادة اختراع السوق من جديد؟

ما يطرحه الدكتور عبد الرحمن المشهداني في جوهره ليس دعوة إلى منع السيارات الصينية أو إيقاف استيراد السيارات الكهربائيّة، بل إلى وضع هذه الظواهر في إطار سياسة عامة منظّمة.

تنظيم الاستيراد يبدأ، من وجهة نظره، بعودة الدولة إلى لعب دور “منظّم عاقل” للسوق، عبر:

-تفعيل منظومة المواصفات القياسية العراقية وربطها إلزاميًا بكل سيارة تدخل البلاد، سواء كانت بنزين أو هايبرد أو كهربائيّة.

-حصر استيراد بعض الفئات الحسّاسة – ولا سيّما الكهربائيّة – عبر وكلاء رسميين معتمدين ملتزمين بتوفير مراكز صيانة وقطع غيار وضمان فعلي، لا ورقي.

-ربط أي سياسة لتشجيع السيارات الكهربائيّة أو الهايبرد بخطط واضحة للبنية التحتية: محطّات شحن، شبكة كهرباء قادرة على تحمّل الأحمال الجديدة، ونظام لإدارة نفايات البطّاريات وإعادة تدويرها.

-إعادة فتح ملف الصناعة المحلية؛ ليس بالضرورة عبر مشروع عملاق واحد، بل من خلال شراكات تدريجية مع شركات عالمية لتجميع بعض الطرازات داخل العراق، وتدريج نسبة المكوّن المحلي فيها.

في غياب مثل هذه الرؤية، ستبقى سوق السيارات في العراق معلّقة بين فوضى استيراد قديمة، وطفرة صينية كهربائيّة جديدة، من دون أن يكون للمستهلك حماية حقيقية، أو للاقتصاد الوطني مكاسب مستدامة. والقرار اليوم – كما يخلص المشهداني – لا ينبغي أن يُبنى على حماسة التكنولوجيا وحدها، بل على دراسات علمية وميدانية تُجيب عن سؤال بسيط ومعقّد في آن: أيّ سيارات نريد للعراق خلال العقد المقبل، وأيّ بنية تحتية واقتصاد يمكنهما تحمّل هذه الخيارات؟

زر الذهاب إلى الأعلى